إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوارات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوارات. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 15 ديسمبر 2010

عبد القادر الغزالي: حوار مع الشاعر عبد الرحمن بوعلي 1

حوار مع الشاعر عبد الرحمن بوعلي
أجرى الحوار د. عبد القادر الغزالي 
الشاعر ليس إلاها يفرض حلا وإنما رجل كلمة وحكمة ونبوءة
وهنا تنتهي مهمته، وتبدأ بعدها مهمة الآخرين
تقديم
يعتبر الشاعر عبد الرحمن بوعلي من الشعراء البارزين في المغرب وهو إلى جانب كونه أستاذا جامعيا وفاعلا ثقافيا له تجربة شعرية متميزة تمتد من السبعينيات إلى اليوم، حيث نشر نصوصا ودواوين شعرية مهمة، انتداء من ديوانه البكر أسفار داخل الوطن 1977 ثم تخطيطات هيروغليفية على هامش الخامس من حزيران 1979 والولد الدائري 1982 (الذي نشر في بغداد ولم ينشر لحد الآن في المغرب) ووردة للزمن المستحيل 1984 والأناشيد والمراثي 1996 ومدن الرماد 2003 وتحولات يوسف المغربي 2003. وقد نال جائزة مؤسسة البابطين للإبداع الشعري في فرع أفضل قصيدة لدورة ابن زيدون قرطبة 2004، وهي القصيدة الموسومة بعنوان تحولات يوسف المغربي. ولقد كنا منذ أمد بعيد وبالضبط عندما نشر الشاعر عبد الرحمن بوعلي قصيدته هاته في الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي نعتبرها من أجود القصائد المغربية بل ونقلة نوعية في المشهد الشعري المغربي لأنها بنيت على أساس البنية اللغوية المركبة والكون التخييلي المعمق الجامع بين أنماط الكتابة المتنوعة، ولأنها سيرة شعرية درامية تؤرخ للذات الشاعرة وللإنسان العربي في عصر الهزائم والرجات الكبرى
وبمناسبة تحقيق الشاعر لهذا النجاح على الصعيد العربي كان لنا معه هذا الحوار الشعري باعتباره شاعرا يمتلك خلفية ثقافية وفكرية عميقة وتجربة حياتية وشعرية أعمق. وسنسعى في هذا الحوار أن نفترب بالدرجة الأولى من هذه القصيدة التي نشرت في ديوان يحمل نفس العنوان عام 2003
:الحوار  
صرحتم في كثير من التظاهرات الثقافية والقراءات الشعرية بأن قصيدة تحولات يوسف المغربي تعتبر نقلة نوعية في مسيرتكم الشعرية على امتداد عقود طويلة من الزمن، ترى ما هو المشترك والمغاير بين منجزكم الشعري السابق وما تحقق شعريا في هذه القصيدة بالتجديد؟
في اعتقادي كل قصيدة جديدة يكتبها شاعر إلا وتكون نقلة نوعية، بمعنى أن الجديد هو تراكم التجربة وانطلاق من العناصر الشعرية المنجزة إلى تشكيل عناصر شعرية جديدة، وإلا فإن النمطية هي التي ستغلب على الفاعلية الشعرية ثم يتوقف الإبداع. وفي اعتقادي أيضا وربما صار هذا الأمر مشتركا بيننا، على الأقل بيني وبينك وبين قرائي، فإن قصيدتي تحولات يوسف المغربي، التي كتبت في ظرفية تاريخية من حياتي الإيداعية والنفسية شكلت مثل هذه النقلة النوعية التي تتحدث عنها ، أستطيع أن أزعم أنني لن أكتب منذ كتابة التحولات وفق الصيغة القديمة التي ارتضيتها في دواويني السابقة, وأنا الآن أحاول أن أطور تجربة التحولات في أفق صياغة تجربة شعرية جديدة
، عنوان القصيدة تحولات يوسف المغربي مؤشر مركزي على التحول والحركة زدال على رهان متميز في رصد البؤر المضيئة في رسم ملامح الشخصية المركزية يوسف المغربي، ما طبيعة المكابدة الشعرية في تقديركم في ركوب هذا المركب الصعب المنجلي في المواءمة بين القصسدة والحكي؟
طبعا أي عنوان لا يوضع بشكل بريء ، إنه المفتا ح الأول في العمل الشعري باعتبار إشارته إلى المضمون الشعري أولا. وباعتبار دلالته على التجربة الحياتية التي تكون قد أنتجت القصيدة ولا شك أنني وإن كنت أعتقد أن الإبداع يأتي عفويا رسمت مخططا بطريقة لا واعية ، أي تحكم فيها لا وعيي، لأستجمع خيوط التجرية الحياتية الآنية والماضية والمستقبلية، كما كان يقول إليوت بالنسبة لعلاقة الفنان بطفولته وطفولة جنسه، ولأحدد المسارات الأساسية في واقعنا الراهن الذي لا يزداد إلا انهيارا يوما عن يوم، لأصل في آخر المطاف إبى أن أعبر تعبيرا دقيقا عن اللحظة الراهنة والمغرقة في الفجائعية، ثم لا تنس أن القصيدة كتبت سنة 1995، وهو تاريخ بداية الفترة التي ستتوج يما نعيشه الآن، وبهذا المعنى فإن القصيدة كانت تحمل نبوءة عن الانهيار الكبير الذي تعرفه جيدا، ولا أريد أن أسترسل في ذكر ملامحه، بمعنى آخر، وللإجابة عن سؤالك، فإت النكابدة الحياتية أنتجت مكابدة شعرية، وأن هذا الجمع أو المواءمة بين القصيدة والحكي إنما هو ضرورة جمالية للتعبير عن عنف اللحظة الراهنة وفجائعيتها
فضلتم في تصدير الكتاب الذي يضم بين دفتيه هذه القصيدة الطويلة ثلاث استشهادات. الأول من القرآن الكريم والثاني للشاعر العربي سعدي يوسف والثالث للشاعر اللبناني عباس بيضون، هل يمكن أن نعتبر هذه الاشتشهادات علامات كبرى للمرجعية التناصية التي تنسج الذات الشاعرة منها لحمة القصيدة الكلية؟
الاستشهادات التي وضعتها كمفاتيح أو قلائد ترصع جبهة قصيدة تحولات ليست مجانية أو عفوية كما يمكن أن نعتقد، وإنما هي علامات أساسية أولى لفهم القصيدة، فبالنسبة للآية القرآنية فهي تعرض لنا علاقة يوسف بإخوته كما وردت في القرآن الكريم، وتثبت الصراع بين الإنسان وأخيه الإنسان، وبالنسبة لأبيات الشاعر سعدي يوسف فهي تطور هذا المعنى بالتركيز على واقع الإنسان العربي الذي ظهره إلى الحائط، أما أبيات الشاعر اللبناني عباس بيضون فتثير المرآة التي تعكس بشكل كم الأشكال وجوهنا ووجودنا ، هذه الإشارات بدت متكاملة فيما بينها باعتبارها تجعل الإنسان بورة وجودية وكونية تتقاطع فيها كل السلوكات، إن ذلك يفتح أمامنا الطريق لمعرفة ما الذي يحدث في عصرنا في الزمن الراهن بالتوازي مع ما وفع ليوسف مع إخوته في الماضي
نعتقد أن قصيدة تحولات يوسف المغربي سيرة شعرية جانعة للخاص والنشترك والفردي والجماعي، كيف يمكن توصيف هذه المعادلات الشعرية وهي تختمر في الفكر والوجدان لتكتمل تفاصيلها في بناء القصيدة العام؟
دائما أرى أن ما هو فردي خاص هو حكاعي مشترك، وأن ما هو حماعي مشترك هو فردي خاص، والشعر الحق إذا لم يكن سيرة شعرية جامعة للخاص الفردي والعام المشترك تنتفي منه الشعرية، والشاعر الحق كذلك هو الذي يستطيع كما يقول إليوت أن يجمع بين كتابة سيرته وسيرة جماعتة، وأعتقد أنني حاولت ما أمكنني في قصيدة التحولات أن أكون أمينا في الجمع بين سيرتي الشخصية قي لحظة من لحظات حياتي وبين سيرة جماعتي التي أنتمي إليها وعي عالمنا العربي الراهن، ومحاولتي الجمع هنا بين هذه المعادلات المختمرة في لبفكر والوجدان ليست بالمسألة البسيطة أو الميكانيكية كما يعتقد، بل هي عملية في غاية الصعوبة والدقة، لأن بناء القصيدة يجب أن يسمح لهذه المعادلات أن تجد مكانها في القصيدة وأن توظف توظيفا جيدا بحيث لا تظهر بادية للعيان، وهنا أتذكر ما قاله أحد النقاد حول أعمال بروست الذي شبهه بالمهندس الذي يبني عمارته على أعمدة ولكنه يخفيها عن العيان
هناك ميسم آخر في تقديرنا يميز هذه القصيدة يتجلى في أعادة رسم قصة الصراع بين الخير ولبشر وإصرار على نواجهة الزمن باختيار المستقبل، هل يمكن أن نعتبر ذلك باعثا من بواعث تثبيت صور القبخ والبشاعة وترسيغ ما يناقضها نت صزر الطهر والبراءة والحب والجمال؟
قصة الصراع بين الحق والباطل بين الخير والشر بين الجمال والقبح هي قصة أزلية، ذلك ما تحقق في قصة يوسف، وذلك ما يتحقق باستمرار بين بني البشر وبين الشعوب والأمم، ولذلك فإذا كان للشعر من وظيفة التطرق إلى هذه الثناؤية وهذا الصراع الأزلي بين الخير والشر، والشاعر لا تكتمل تجربته الشعرية إلا إذا قبل لعبة الحياة وانخرط في تجربة الكشف عنها دون الوقوع في مطب الأنانية والذاتية، ومن دون شك فقد كنت أريد أن أبين للقارئ بصفة عامة ولقارئي بصفة خاصة أن الحياة واسعة مع وجود هذا الجب الذي ألقي فيه يوسف، ومع وجود هذه الأنانية التي تطبع الطبيعة الإنسانية بطابعها، ومع وجود هذه العدوانية الشرسة الني تعم العالم
نصل إلى الخاصية المركزية التي نعتفد أنها مصدر القوة في القصيدة على المستوى اللغوي والتمثيلي والإيقاعي في عمق التحربة الحياتية التي تلتحم بشكل تفاعلي مع المقول الشعري، وفقها يتخقق التقاطع بين رحلة الذات في الكتابة والرحلة الفعلية من خلال الانتقال بين أهم العواصم والمدن العربية، كيف سكنت هذه السياحات في النفس فطفت على هذا النحو العجيب على جسد القصيدة؟
لا شك أن ما يثري التحربة الإبداعية هة ما يمكن أن نسميه الترحال، والترحال قد يكون في المكان وقد يكون ترحالا في التجربة الحياتية وفد يكون ترحالا في تجربة الكنابة، والخقيقة أنني في قصيدتي حمعت بين هذه التراخيل كلها، بخيث إنني عشت ترحالا سيئا في تجربتي الحياتية مع أشخاص كنت أكن لهم احتراما ولكمهم ظلوا بجهرون بالعداء ومن هنا جاءت تجربة ترحالب الثاني أي ترحال الكتابة ليتوج هذه النحربة
هناك أوجه متعددة لهذا التداخل الشعري بين الواقع والمتخيل في القصيدة، نذكر منه على وجه الخصوص وجه رسم ملامح صورة الشاعر المنفي والمغترب على امتداد هذه الجغرافيا التي استوطنت نفس الذات الشاعرة، هل نستطيع بهذا المعنى اعتبار القصيدة بيانا شعريا لإعادة النظر في الوضع الاعتباري للشاعر في الوطن العربي؟
الفصسدة هي احتجاج صارخ على ما يعانيه الانسان والمواطن العادي بشكل عام في عصر الهزيمة والاندحارات الكبرى وغياب القيم، وهو احتجاج لكل مثقف أو شاعر أو فنان على وضع كارثي وغير سليم، لهذا آتي في القصيدة على ذكر تاريخنا ورموزنا الأدبية والرموز الكونية، لأبين أن كل هذا التاريخ وكل هذه الرموز قد فقدت رمزيتها وأنه لم يبق لنا إلا البحر الواقف ونعال الناعز نصنعها للأقدام، فما الذي يرجوه الإنسان العربي من تاريخ حتى في جوانبه المشرقة إذا كان فاقدا لكرامته وإنسيته
نلمس في القصيدة إحساسا رهيبا بالفراغ ووعيا مأساويا بالدمار يذكرنا بالأرض الخراب لـ ت س إليوت، إلى أي حد بقيت الذات الشاعرة أسيرة المكان البئيس والزمن الردئ كما تفضلون نعته؟

تماما هذا ما أردت إبرازه في قصيدة تحولات فإذا كانت الأرض الخراب أو الأرض اليباب لإليوت فقد بكت عصرها وقدمت احتجاجا قويا على قتل الإنسان، فإنني في قصيدتي أحاول أن أبرز هذه المأساوية التي نكاد نتغافل عنها دائما ونحاول تغطيتها بقشور الحداثة والعصر، نعم إننا نريد أن نحقق الحداثة والتقدم والديموقراطية وكل القيم والشعارات العصرية التي تسمح للإنسان بالرقي والحرية وتضع كرامته فوق كل اعتبار ، ولكننا سنكون من الحالمين إذا اعتقدنا أن هذا هو ما ينقصنا فقط، فنحن لسنا إلا عبيد هذا الزمان، وللتحرر منه يجب أن نتحرر من هذه العبودية أولا
واضح أن الاشتغال على اللغة في القصيدة قد توج بهذا الشكل التعبيري الإيقاعي المتميز بالكثافة والاقتصاد والنجاح الملفت في بلوغ مدارج لغة شعرية بقدر ما توهم بالبسلطة والوضوح، تشير إلى رمزية بليغة، ما حجم اختراق اللغة لذاتكم مثلما ورد في القصيدة؟
في القصيدة إشارة لاختراق اللغة للجسد، وهو اختراق رمزي يدل على علاقة اللغة بالجسد، تلك العلاقة التي لا يمكن لأي كان أن ينفيها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لا أحد يمكن أن يتجاهل لغة الجسد التي هي لغة خارقة، كب الفلاسفة وعلماء النفس والفنانين خاصة المسرحيين تحدثوا عن لغة الجسد، كروتوفسكي، وهو مسرحي عالمي شهير، تحدث عن الجسد واللغة، واهتم بالمسرح والممثلين من زاوية اهتمامه بالجسد، وله نظرية في تدريب الممثلين أساسها جسد الممثل، عبد الكبير الخطيبي تحدث عن الجسد والوشم (وهو كتابه) ، آخرون تحدثوا عن الجسد، طبعا أنا لست صاحب نظرية في الموضوع، ولكنني تعلمت من الحياة ومن تجاربي فيها أن الإنسان يستطسع أن يعبر بجسده إذا كان يرغب في ذلك، وأنا لا أستطيع أن أتصور جسدي خارج لغتي أو لغتي خارج جسدي، وهذه دلالة على عروبتي ومغربيتي في المقام الأول، وعلى أنني شخص لا يمكن أن أفصل بين جسدي ولغتي
نعود إذا شئتم إلى صراع الذات مع الزمن ، ويمكن في هذا المقام نعت الكتابة التخييلية المهيمنة في قصيدة تحولات بكتابة الثورة، كيف تحددت معالم هذا الصراع شعريا في تقديركم؟
أعتبر نفسي ثائرا في قصيدة التحولات، هكذا أحب أن أرى نفسي، وأعرف أن الكتابة التخييلية المهيمنة مهما كانت قوتها لا يمكن أن تحقق الثورة، ولكنني متمسك بهذا النعت، إنني ثائر جدا، ومن ذا الذي لا يثور في هذا العصر والإنسان يموت بالمجان، يموت معنويا عندما يقتل بالكيد والكذب والغدر، ويموت ميتة حقيقية عندما يقصف بالطوماهوك والقنابل العنقودية
ولكن رغم ذلك تهيمن نبرات تشكيكية وتساؤلات وجودية كبرى تمس القدر والمصير الإنساني وتوحي باستحالة الخروج من الدوائر المغلقة المتميزة باللاجدوى إلى درجة العبثية؟
هذه حقيقة العصر، كل ما فيه يدعو إلى الشك، وأنا لن أضيف إلى هذه الحقيقة شيئا جديدا ، فعندما تكثر المآسي لا بد أن يتساءل الإنسان إلى أين نمضي؟ وما هو المصير؟ وهذا سؤال نشكيكي في الوجود، لا أعتقد أن الفلسطيني أو العراقي أو الأفغاني في هذا العصر يستطيع أن يبقي على ذرة من الإيمان المطلق بالقيم لديه، فهو يقصف كل يوم، ويموت كل يوم، في عالم غافل أو متغافل عنه، فما الذي ننتظر منه أن يفعل؟ لا ننتظر منه إلا أن يشكك في الحياة كلها
يقودنا هذا السؤال إلى رمزية الجب، وتجاور ذلك مع صور التيه والضلال الذي يأخذ أشكالا تدرجية تتأسس وفقها كينونية الشخصية : أنا يوسف يا أبتما هي بواعث هذا الإعلان عن الاسم الشخصي في نظركم؟
اسم يوسف هنا ليس قناعا، كان يمكن أن أسمي هذا الشخص ابراهيم أو عبد الرحمن أو عبد القادر أو محمد، لا شيء سيتبدل، المهم أننا جميعا هذا اليوسف، وسواء أكان هذا مغربيا أو عربيا فهو يوسف
هل يمكن أن نعتبر فصيدة تحولات يوسف المغربي عربية مستقبلية، لأنها تشكل رهان الذات الشاعرة على تحدي الانغلاق والاصرار على وميض الأمل والحلم المنبعث من الشقوق
لا أستطيع أن أجازف بالقول إن الذات الشاعرة ترى هناك أملا ما في الأفق القريب أو البعيد أو المتوسط، ما أستطيع أن أؤكده أولا هو أننا نعيش في عصر فجائعي وعدواني، وثانيا لأن قدرة الانسان على تجاوز النكسات والنكبات كبيرة، وما أتمناه أن يجتاز إنسان هذا العصر هذه الفجائعية والمأساوية ليفضي إلى ضوء، ومن ضوء إلى ضوء إلى ضوء ، ثم لا ينبغي أن نطلب من الشاعر أن يأتي بالحل، الشاعر ليس إلاها يفرض حلا وإنما رجل كلمة وحكمة ونبوءة، وهنا تنتهي مهمته ، وتبدأ بعدها مهمة الآخرين
وجدة 08 05 2004


 




الاثنين، 24 مارس 2008

فريد بوجيدة: "حـوار مع الشـاعـر عـبـد الـرحـمـن بـوعـلـي"

حوار مع الشـاعـر عـبـد الـرحـمـن بـوعـلـي
هناك حركـة شعرية بالـمغرب الشرقي لم يلتفـت إليها النقـد


أجرى الحوار: فريد بوجيدة*

يشكل المشهد الشعري بالمغرب جزءا لا يتجزأ. لذلك لا يمكن توصيفه إلا من خلال مقاربته من جميع الزوايا.. وبالرغم من كون خريطة الشعر لا حدود لها ليس على الصعيد الوطني فحسب، بل على الصعيد العالمي كذلك، فإن منطقة المغرب حافلة بعطاءات غنية عن التعريف. من هنا تأتي أهمية إلقاء الضوء على الحركة الشعرية بالمغرب الشرقي من خلال حوار مع أحد روادها.. يتعلق الأمر بالشاعر عبد الرحمن بوعلي الذي اشتهر بشعره إلى جانب بحوثه الأكاديمية في مجال السرديات على وجه التحديد.. وهذا الحوار معه يبرز أهمية وموقع هذا الشعر "المحلي" على مستوى خريطة المشهد الشعري بالمغرب في مرحلة زمنية محددة، وربما قد تضاف إلى هذه الاعتبارات أسئلة أخرى ما دامت حركة الشعر بمنطقة المغرب الشرقي تعرف تبدلات مستمرة.
ـــــــــــــــــــــ
* في المنطقة الشرقية مؤشرات تدل على انتعاش حركة إبداعية محلية تتمثل في وجوه وأقلام عديدة استطاعت أن تجد لها منفذا في الصحف والمجلات المغربية، إلا أن هذا الإنتاج لا يوازيه انتعاش ثقافي يسم المنطقة ويميزها. كيف يمكن رؤية وتقييم المشهد الثقافي الأدبي عموما، وبالمنطقة الشرقية خاصة؟
- أنا أشترك معك في هذا التقييم العام المتعلق بانتعاش المنطقة الشرقية على مستوى الإبداع الأدبي، وربما أضيف إلى ما قلته شيئا آخر وهو إن الإبداع الشعري والمسرحي بشكل خاص والأدبي والفني بشكل عام وجد في هذه المنطقة بيئة خصبة ساعدته على العطاء، وقد أقول الإضافة، وهذا شيء بثلج الصدر ويدعو إلى الانشراح، مما يجعلنا نأمل إن تتواصل هذه الحركة الفنية والأدبية. ولو حاولنا رصد العلامات الدالة على هذه الحركة فسوف لن تعوزنا الأمثلة، بل سوف نتيه وسط الأسماء ذات الحضور المتميز ففي مجال الشعر هناك عدد لا باس به من الأسماء، وهي ذات مستوى إبداعي جيد جدا، وهي إلى جانب ذلك أثرت على حركة الشعر بالمغرب وان كان النقد لا يلتفت إليها إلا في حالات نادرة، وعلى سبيل المثال اذكر لك بالخصوص تجارب الشعراء الحسين القمري وعبد السلام بوحجر ومحمد لقاح ومحمد بنعمارة ومحمد منيب البوريمي والطاهر دحاني وحموشي سلام وحسن الامراني ومحمد علي الرباوي ومحمد فريد الرياحي ومحمد مكتوب، وكل واحد من هؤلاء ساهم في تأسيس حركة الشعر بالمنطقة. وسواء أكانت بدايته الشعرية ترجع إلى بداية العقد السبعيني أو منتصفه فان الأساس هو مشاركة كل هؤلاء في خلق الجو الثقافي الذي سيدفع بشعراء آخرين من الجيل اللاحق للجيل الذي انتمي إليه. ومن المنطقي أن يحاول الجيل الجديد أن يستفيد من التجربة السابقة وان كان له تكوينه الثقافي والاجتماعي والنفسي الخاص به، وان يحاول أن بخلق لنفسه خصوصيات لا اعتقد أن النقد حاول الالتفات إليها.. ولأنني ذكرت أسماء الجيل السبعيني ليس لمجرد الذكر ولكن للتاريخ ولأرد الاعتبار إليهم فأرى ضروريا الإشارة إلى شعراء الجيل الجديد وليعذرني من لم أتمكن من ذكره فهناك أسماء لها قيمتها في التجربة الشعرية مثل عبد الناصر لقاح ويحي الشيخ والطاهر بن الزبير ومحمد جناتي وعبد الحميد جماهري وحسايني الطاهر ومحمد عبد الصمد بنعيادة وعبد القادر لقاح وعيسى لقاح ومحمد عمارة وغيرهم. وأنا على يقين بان هؤلاء لديهم الكثير من أسباب النجاح الشعري ومن الموهبة، وهم يقرؤون كثيرا ولهم اطلاع واسع على الثقافة العالمية ولا يمكن في رأيي أن ننقص من تجربتهم، فهذه التجربة وان لم تقم بعد مقام تجربة جيل السبعينات أصبحت لها ملامحها الخاصة ووضعت قواعدها على ارض التجربة وحصدوا شيئا من النجاح. لكن لماذا لم تترجم هذه التجربة على الصعيد المحلي؟ ولماذا لم تظهر كانتعاش للحركة الشعرية على ارض الواقع؟ أظن أنه ينبغي أن نكون واعين بالواقع الثقافي في المغرب، وفي الوطن العربي. وكما نعلم فهذا الواقع ليس مزدهرا كما قد يعتقد ويحيل إلى الرتابة والتشظي، وأسباب ذلك أن الهامش الثقافي ضئيل جدا وان الاهتمام بالمسالة الثقافية من قبل من يملكون المسؤولية والإمكانيات منعدم..ز
* ما هو اثر البحث الجامعي ودوره في إضاءة ما هو معتم في قصائد شعراء المنطقة والإنتاج الأدبي عموما؟
- اسمح لي أن ابدي ملاحظة أولية جوابا عن سؤالك، وتتعلق بالبحث الجامعي في المغرب، فهذا البحث فيما اعتقد هو وليد ناشئ رغم عراقة بعض جامعاتنا كجامعتي الرباط وفاس، ولهذا فلا ينبغي أن ننتظر منه الشيء الكثير، هذا من ناحبة أولى، ومن ناحية ثانية اعتقد أن الطريقة التي يتم التعامل بها مع البحث الجامعي فيها سيئ من الاضطراب بل ومن المغالطة، أقول هذا لأنني اقتنعت أن الكثير من الأبحاث التي قدمت سواء في مجال الشعر أو الرواية أو النقد أو المسرح ما كان لها أن تقدم لو توفر الجو العلمي النظيف، كما أن كثيرا من الأبحاث التي وجدت الرعاية وتم نشرها في شكل كتب هي أبحاث مثلها مثل الأبحاث التي لا زالت موضوعة في الرفوف، بل وان بعض الأبحاث التي لم تجد ناشرا يتكرم عليها بالنشر تتميز وتتفوق عن بعض الأبحاث المنشورة.
وجوابا عن سؤالك حول اهتمام البحث الجامعي بشعر المنطقة استطيع أن أقول لك أن شعر هذه المنطقة لا زال لم يلق العناية اللازمة رغم أن بعض الأبحاث أشارت إليه في شكل شذرات، اذكر من تلك الأبحاث بحث ذ. عزيز الحسين في كتابه "شعر الطليعة في المغرب" وبحث ذ. عبد الرحمن حوطش في كتابه "الشعر والثورة". وكلا الكتابين نشرا، أما الذي اهتم بهذا الشعر وقام بدراسته دراسة وافية فهو ذ. محمد علي الرباوي في بحثه "الشعر المغربي المعاصر في المغرب الشرقي"، وللأسف لا زال هذا البحث قابعا في الرف.
هناك اهتمام كذلك بهذا الشعر في أبحاث طلبة الجامعة، خصوصا جامعة محمد الأول وهي أبحاث مهمة، وفي اعتقادي فان هذه الأبحاث باهتمامها بالنصوص الشعرية حاولت أن تقدم هذه النصوص تقديما جيدا وان تقترب من عوالم أصحابها وان تضيء كل العتمات وكل الأنفاق بالإنصات إلى صوت الشاعر في هذه النصوص. هناك بعض الأبحاث التي تعرضت لقضايا ربما لو تعرض لها النقاد لما وصلوا إلى النتائج التي وصل إليها هؤلاء الطلاب..ز ومن هذه الأبحاث أبحاث تعرف أصحابها إلى تجارب الشعراء حسن الامراني ومحمد لقاح ومحمد علي الرباوي والحسين القمري وعبد السلام بوحجر والى تجربتي الشخصية... وأنا اعتقد أن أهم ما كتب عن شعر المنطقة يوجد في هذه الأبحاث.
* لوحظ وجود شعراء من المغرب العربي في مهرجان فاس الشعري الأخير، وهو ما يعتبر عنصرا ايجابيا يساهم في تواصل الشعراء بعضهم ببعض وتنويع عناصر التلقي الشعري لدى الحضور بتباين أو تقارب التجربة الشعرية في كل بلد، وبحكم قرب المنطقة الشرقية من البلدان المغاربية المجاورة هل هناك تفكير على الصعيد المحلي في تعميق هذا التواصل الثقافي الشعري ليشمل المجال الشعري والبحث الأكاديمي في صيغة حلقات عمل وندوات أم أن الأمر بعيد المنال لارتباطه بعوامل تتجاوز ما هو ثقافي؟
- مهرجان فاس الشعري هو مهرجان مثل المهرجانات التي كانت تقام في المغرب. وفي تقديري فان هذا المهرجان وبالرغم من الهالة التي أعطيت له لم يستطع أن يرسخ بعض الثوابت الشعرية والثقافية التي كان من المفروض أن يرسخها باعتباره يجمع شعراء من المغرب وشعراء بعض البلدان العربية، وربما يرجع ذلك في نظري إلى سوء التنظيم الذي سقط فيه المهرجان منذ أول سنة نظم فيها. وأنا اذكر كيف تم استدعاء الشعراء المغاربة إلى أول دورة عقدت لهذا المهرجان وكيف أن إحدى المسؤولات في لجنته التنظيمية -لا علاقة لها بالشعر- حضرت معنا في مهرجان شفشاون وبنوع من السرية وضعت قائمة بأسماء الشعراء المغاربة الذين سيتم استدعاؤهم مستثنية بعض الأسماء اللامعة.ز وهكذا كان أول مهرجان. ثم أضيف شيئا آخر هو أن الدورات التالية كانت تنظم بنفس الطريقة وكان ما كان يهم المنظمين هو فقط أن يعقد المهرجان وان يلتقي الناس وان يتفرقوا.. أما الشعر فذلك أمر آخر، من ناحية أخرى لم أتوصل أنا شخصيا في أي دورة من دورات مهرجان فاس بأي استدعاء هذا مع العلم أنني كنت استدعى إلى مهرجان مكناس الذي كانت تنظمه جمعية البعث الثقافي، والى مهرجان أصيلة الذي كانت تنظمه جمعية قدماء تلاميذ ثانوية الإمام الأصيلي والى مهرجان شفشاون الذي كانت تنظمه جمعية المعتمد والى مهرجان المربد في بغداد.
بناء على ذلك فانا لا أرى أهمية لهذا المهرجان ما دام يقوم على أسس غير سليمة وما دام يستقطب الأسماء الشعرية كيفما اتفق أما بالنسبة للعمل المغاربي على مستوى التواصل الشعري والثقافي فانا أرى أن العمل في هذا المستوى بات أمرا ضروريا بل وأصبح يفرض نفسه علينا ككتاب ومثقفين وكمسؤولين على صعيد مؤسسات علمية، وانه يشكل الخطوة الأولى التي من شانها أن تقرب بين الآراء والتجارب، ولكن هناك ظروف لا نستطيع أن نتجاوزها في الوقت الراهن، فالمغرب العربي لا زال مفككا خصوصا على المستوى الثقافي وكأنه جزر متباعدة لا رابط بينها والعمل الثقافي هو الذي سيعيد هذا الرابط إلى هذه الجزر، وبرأيي لا بد أن يتحمل المثقفون والشعراء أنفسهم مسؤولياتهم في هذا الاتجاه، أي في اتجاه تطوير العمل الثقافي والاحتكاك الثقافي سواء أكان ذلك عن طريق الزيارات الفردية أو الندوات أو قراءة الأعمال والكتابة عنها.








ـــــــــــــــ
* نشر الحوار بالصفحة الثقافية لجريدة أنوال المغربية عدد الثلاثاء 6/12/1994

الأحد، 23 مارس 2008

بولعوالي التيجاني: حوار مع عبد الرحمن بوعلي 2

الشاعر عبد الرحمن بوعلي
تجـربـة الثـمانيـنـات والتسـعـيـنـات أضـافـت مـلامـح كـانـت غائـبــة للـقـصـيـدة المـغـربـيـة


أجرى الحوار: بولعوالي التيجاني*

ليس هناك ما أدبج به هذا الحوار الذي جمعنا بشاعرنا د. عبد الرحمن بوعلي غير هذه الإشراقات الشعرية التي عمدنا إلى سلها من ديوانه "وردة للزمن المستحيل"، لأن الكلمة الشعرية قادرة على أن تختزل الامتداد وتستوعب التساؤل الآتي من أغوار الذات:
سأشهد أن حبيبة قلبي
أباحت دمي
حين خنت البلاد التي
ترتمي في الشمال
وحين نسيت دمي
واختفيت
ص 27
على بعد مترين من جثتي
أستفيق على مطر ناعم
ثم لا يستجيب إلى لهفة القلب
وهج التراب
ص 24
يا بلادي
مرة أنت
ومر طعم موتاك
وقاس في الهوى العذري
هواك
ص 63
فأقول اسبقيني
وإذا ما التقينا
في جنوب الجنون
أو هضاب التعقل
واختصمنا
فاعلمي أننا
من فم واحد
واعلمي أنني
أشتهيك كما
أشتهي ضفة البحر هذا
وملح البكاء.
ص 41
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تختلف تجارب الحياة من إنسان إلى آخر، ويختلف التصور، لكن يبقى الإنسان متوحدا في الشعور، وإن تمايزت أعراقه وسلالاته، منساقا إلى نجوى الذات .. والممارسة الإبداعية هي أميل سلوك إنساني إلى إدراك هذه الحقيقة، لذا هل من تفسير للجدلية القائمة لديكم بين الأنا المبدعة التي يعكسها الشاعر فيكم والذات الإنسانية التي يمثلها الإنسان عبد الرحمن بوعلي؟
- أولا أود أن أشكركم على إتاحة هذا اللقاء مع القراء. وجوابا عن السؤال أقول إن الحاجة إلى الإبداع والتعبير عن الذات الإنسانية في أجل معانيها هي كحاجة الإنسان إلى الهواء والخبز والماء. ومن هنا لن أكون مبالغا إذ قلت إن الإبداع شيء مشترك بين جميع الناس، فقط هناك من يمتلك القدرة على التعبير بالكلمات ومن يمتلك القدرة على التعبير بأشكال أخرى عقلية أو جسدية..
والشاعر في نظري هو ذلك الإنسان الذي توفرت له الظروف والإمكانيات لكي ينقل أحاسيسه من مستوى المجردات إلى مستوى المحسوسات، وبالتالي، فليس هناك أي انفصال بين حياته وإبداعه، أي أن الجدلية التي تتكلم عليها هي من قبيل البدهيات، وهي من بين الأمور التي تم الحسم فيها في التراث.. غير أن ما يمكن إثارة الانتباه إليه ليس هو هذه الجدلية في حد ذاتها، أي الجدلية بين الأنا المبدعة والإنسان، بين النص الإبداعي وصاحبه، وإنما هو كيف تتحقق هذه الجدلية؟ أي تلك الطريقة التي بمقتضاها يصير الواقع شعرا، وتلك هي إشكالية الإبداع في كل العصور، وما ترانا نقول إلا كلاما قيل آلاف المرات بل ملايين المرات في تاريخ البشرية الشعري.
*حين نتصفح تجربة ما، يجدر بنا الإشارة إلى الفضاء الذي تم عبره تشكل هذه التجربة، إذن هل تهيئ المدار الشعري كفيل بأن يضمن نجاحا؟ ونحن على علم بأن عبد الرحمن بوعلي احتكم إلى هذا المفهوم، عندما وشى كينونته بالكلمات والحروف، واختار الشعر شريكا لحياته. من هنا كيف يمكن اعتبار الانسجام/الزواج الذي كان ولا زال بين الشاعر بوعلي والشاعرة المحترمة ثريا ماجدولين؟ هل هو التحام للشعر بالشعر في الشعر؟ أم سمو ثنائيي ما فوق العرف لتأسيس كون آخر، ماؤه من أنغام، وهواؤه من إيماء، وناره من كلمات...؟
- أولا، لا بد أن نعتبر الشاعر كائنا وإنسانا مثله مثل باقي الناس، ولهذا فإن له مساره الشخصي الذي يجعله ينتمي إلى الناس وإلى الشعب.. واختياره الشخصي تحدده ظروفه العامة والخاصة، ومنها كونه ينتمي- إضافة إلى انتمائه إلى الناس- إلى شريحة هي شريحة الشعراء. ولذلك، فعندما اخترت أن أقترن بالشاعرة ماجدولين- منذ أربعة عشر سنة- كنت متحفزا بعدة حوافز هي ما أسميته بالظروف العامة والخاصة. ومن تلك الحوافز انتمائي وانتماء الشاعرة إلى تلك الشريحة من الشعراء التي شكلت واجهة الشعر المغربي الحق. ذلك الشعر الذي استند في بنيته على واقعنا الممهور بالهزائم والنكسات، وأظن أن لقاءنا في هذه التجربة ومن خلالها هو الذي منحنا سعادة أكبر..إضافة إلى ذلك فقد أصبح لدينا ثلاثة أطفال (لبنى وصبرين وقيس)، وهو نتاج زواجنا الذي أعتز به وأعيشه باعتباره محطة من تاريخي الشخصي. من ناحية أخرى أعتبر أنك على حق عندما أعطيت للشعر كل هذه الأهمية في حياتي التي تأخذ طابعا شخصيا وعاما في نفس الوقت، ولك الحق أيضا في تأول ذلك.
* ما الكتابة الإبداعية؟ سؤال حبرت حوله قراطيس، وألفت فيه كتابات مختلفة ولا محدودة، قديما وحديثا، لكن رغم هذا المجهود الجسور، فالأغلبية الساحقة لم تستوعب بعد الالتزامات التي تطرحها الكتابة الإبداعية، لإزاحة هذا الخلط والخبط، لذا أتوخى أن تضعوا نوعا من الشروط التي يستوجب الاحتكام إليها حتى لا نخل بالعملية الإبداعية؟
- العملية الإبداعية لها قدسيتها، بمعنى أنها مسيجة بقوانين لا يمكن لأي كان كيف ما كان أن يتجاوزها، وإلا فإننا سنكون أمام شيء آخر لا يحمل هذه التسمية.. لكن لا يعني ان يفهم من كلامي هذا أن الإبداع له مواصفات محددة نستطيع أن نشرحها وان نقدمها للآخرين.. وبالتالي يمكن لهؤلاء إذا هم فهموا "الدرس" أن يبدعوا، ذلك أن الإبداع موهبة، واكتشاف هذه الموهبة في الغالب يكون في فترة متقدمة، واغلب الشعراء والكتاب- وخاصة الشعراء- اكتشفت مواهبهم في فترة طفولتهم وشبابهم، وأنا الآن أقول إن الإبداع - أو الكتابة الإبداعية- لا يحتاج إلى قانون صارم بقدر ما يحتاج إلى الموهبة أولا، ثم إلى المران والمراس والتجربة والمعاناة، بكل ما لهذه الكلمات من معان.
إن الموهبة ضرورية، ولذلك فإن أغلب الفاشلين في مجال الكتابة الأدبية والشعرية على الخصوص، إنما يكونون فاقدين لهذه الموهبة أصلا، أما إذا كانوا يتوفرون على الموهبة فيمكن أن يفشلوا أيضا إذا هم استسهلوا ما يمكن أن تجنيه العملية الإبداعية من المران والمراس والتجربة والمعاناة، أي لأنهم لا ينظرون في تجارب غيرهم من الأدباء والكتاب، أو لا يحيون في اندماج مع الواقع.
* لقد احتدت في العقود الأخيرة الصراعات الإيديولوجية، مما أثر بشكل أو بآخر في الممارسة الإبداعية، فأصبح أغلب ما يكتب لا ينشر إلا بعد تأمله تحت المجهر الإيديولوجيا، هذه السلوكات جعلت الأدب عموما ينجر إلى نوع من الاستلاب والتبعية إلى كل ما هو سياسي وإيديولوجي، هل هذا يكفي لضمان استمراريته من موقف أن "الإيديولوجيا معين للأدب" أو أن ذلك الانجرار سوف يكشف -طال الأمد أم قصر- عن الارتجاج العميق الذي يستوطن خلايا الأدب؟
- لا حاجة للتأكيد على أن الأدب ليس بريئا، أي أنه غارق في الواقع، وبالتالي فهو مسكون بالإيديولوجيا، ولذلك فالحديث عن الأدب بعيدا عن الإيديولوجيا هو حديث غير معقول ولا يمكن أن يقبل إلا ممن لا معرفة له بالأدب، بل لا معرفة له بالإنسان. هذا يعني أن الكاتب مهما كانت خلفياته فهو يتكلم من خلال الإيديولوجيا، وفي ذلك يستوي الجميع، أصحاب اليمين وأصحاب اليسار، وفي نظري، فقد يمر الأدب بفترات تطفو فيها الصراعات الإيديولوجية، بل وحتى السياسية،إلا أن ذلك لا يعني انه لا بد أن نرفض هذا الإنتاج، وكذلك فقد يمر الأدب بفترات يكون فيها بعيدا عن هذه الصراعات، ولا يعني هذا انه بمنأى عنها، لأن الأدب كما قلت مسكون بالإيديولوجيا.. ويكفي أن نبحث عن هذه الإيديولوجيا في ثنايا الكتابة. وأنا هنا أتساءل، بل وأسأل هؤلاء الذين يروجون لأدب بدون إيديولوجيا إذا ما كانوا في كتاباتهم هذه لا ينطلقون من مواقف إيديولوجية؟
* المتداول أن نقدنا الأدبي في منأى عن الممارسة الإبداعية، اللهم إلا بعض الاستثناءات، هل هذا صحيح؟ وإلى ماذا ترجع ذلك؟ هل إلى تخاذل النقد أم إلى قصور الإبداع؟
- من المؤكد أن النقد يواكب الإبداع، ومن الضروري أن يواكب الإبداع، وقد يشعر المهتم بالممارسة الإبداعية أن النقد غائب عن الساحة، وهذا شعور صحيح، ذلك أن أغلب الإبداعات المغربية بالخصوص عندما تنشر لا تجد من يقدمها إلى القارئ ويهتم بها، وفي نظري يرجع ذلك إلى أسباب عديدة، منها الوضع القلق-ماديا ومعنويا- للكاتب المغربي، شاعرا كان أو قاصا أو روائيا أو مسرحيا أو ناقدا. فهذا الوضع المرتج هو المسؤول عن غياب الفاعلية النقدية، وأنا لا أتعجب أما استفحال ظاهرة غياب المتابعة النقدية، ولا أشكو منها باعتباري مبدعا بالدرجة الأولى لأنني لا أجد ذلك غريبا إذا عرفنا أن الكاتب المغربي حتى وإن كان يحتل موقعا محترما في سلم الطبقات الاجتماعية، هو في وضع غير مريح لا يسمح له بالإبداع والكتابة. إنه معوز، والمعوز لا ننتظر منه أن يواكب ما ينشر، وإذا ضحى وفعل ذلك، فليس لنا الحق في مطالبته بالمساهمة في نشر الثقافة، ما دامت الدولة بقضها وقضيضها لم تعمل على إعطائه أي اعتبار، فكيف إذن نريد من الكاتب أن يقوم بعمله إذا كان محروما من التقدير، ومن الدعم المادي والمعنوي، ومن التشجيع بنشر أعماله، ومن تعويضه على جزء ولو ضئيل من معاناته وحرمانه؟ من هنا أفهم لماذا يظل الإبداع مغيبا، ولماذا لا يواكب النقد إبداعنا، وأعتقد أن الأدب المغربي سيكون له دور كبير لو فكر الجميع في وضع الكاتب المغربي وفي إعطائه الاعتبار اللازم.
* كيف تنظر إلى تجربة الشباب الإبداعية أو بالأحرى الشعرية، من موقع أنك ساهمت وتساهم في تقويم انحرافها وإثراء خبراتها وتوجيه خطواتها؟
- في نظري، التجربة الإبداعية للشباب الذين سيصيرون كبارا وكهولا، هي تجربة لم يهتم بها النقد المغربي للأسباب التي ذكرتها سابقا، وهي تجربة غنية، ما في ذلك من شك، ويكفي أن نستعيد الأسماء التي كان ولا يزال لها الصدى الطيب، وأن نقف عند إضافاتها المثيرة التي أغنت الحقل الشعري. إن الخلاصة التي نصل اليها بالتأكيد هي أن تجربة الثمانينات والتسعينات أضافت ملامح جوهرية للقصيدة المغربية كانت غائبة لدى جيل الستينات ( جيل السرغيني والمجاطي والخمار) كما كانت غائبة لدى جيل السبعينات بحكم التوجهات الظرفية (جيل عبد الله راج ومحمد بنطلحة والاشعري). وهي ملامح لا يمكن أن تخطئها العين الناقدة خاصة وأنها شكلت اتجاها متفردا لا بد من الحفر عليه والكشف عنه، وهذا اقل ما يمكن أن يقدم لهذا الجيل الشاب الطموح الذي أعطى للقصيدة المغربية صورة أوضح من تلك الصورة التي قدمناها نحن- أي جيلنا.
* في الأخير، ما هي الإرشادات التي تتفضلون بها إلى كل مبدع ناشئ وإلى كل من يغتصب حرمة الإبداع مدعيا انه يكتب نصا، إلى أولائك الذين تورطوا في خطيئة الأكل من فاكهة الإبداع؟ وها هم الآن بين أن يتخلفوا عن الركب وبين أن يستوقفوا الركب، بين أن يتسمروا في الركب، ولو على شفة هوة من مجهول رهيب؟
- لقد قلت لك سابقا أن التجربة الإبداعية لا تحتاج إلى دروس وتلقين، وكما أنني عندما بدأت الكتابة في بداية السبعينات، كنت أنطلق من خارج هذه الدروس، فلا شك أن الجيل الجديد سيعيد نفس الفعل.. ولكن يمكن أن أقول لهذا الجيل ما قاله روائي إنجليزي ذات يوم: "انظر خلفك في غضب".
ـــــــــــــــ
* نشر الحوار بالملحق الثقافي لجريدة الميثاق المغرب عدد الأحد 21-22 غشت 1994

السبت، 1 مارس 2008

ماجد الحكواتي: حوار مع عبد الرحمن بوعلي 1

حوار مع عبد الرحمن بوعلي
أجرى الحوار: ماجد الحكواتي

بمناسبة فوزه بجائزة مؤسسة البابطين لأفضل قصيدة. وقد نشر الحوار بمجلة الجائزة التي أصدرتها المؤسسة في دورة ابن زيدون بقرطبة – العدد 48 بتاريخ الجمعة 24 شعبان 1425 الموافق 8 أكنوبر 2004. ونحن نعيد نشره لما يمثله من أهمية.

* كيف بدأت مسيرتك الشعرية؟ وإلى أين انتهت؟
- محاولاتي الأولى كانت في أواخر الستينات وبداية السبعينات. كنت كأي شاب في ذلك الوقت أقلد الشعراء المشهورين مثل الشابي وبدر شاكر السياب . وكنت أقرأ كل ما أجده أو يصلني بنهم شديد، بدءا من قصص أرسيل لوبين ومسرحيات توفيق الحكيم والشعر القديم والشعر الرومانسي والشعر الفرنسي.
وبداية السبعينات كانت بالنسبة إلى تجربتي مرحلة أساسية. في تلك الفترة انتقلت من مدينة وجدة الواقعة في الحدود المغربية الجزائرية إلى مدينة الدار البيضاء التي كانت مدينة الثقافة والمدينة الأوروبية بامتياز. وكنت أنا في ريعان الشباب والانطلاق والأحلام، أنا الآتي من الحدود إلى المركز.
ومنذ ذلك التاريخ، وأنا أكتب دون أن أكترث بنتيجة كتابتي..
كانت قصائدي تتراوح بين ما هو ذاتي وما هو سياسي. وفي معظم الأحيان كان السياسي يطغى بحكم الظروف السياسية التي كانت تحيط بي، وكان هذا الطغيان يمنح لقصائدي لونها المباشر والصادم. ثم ما فتئت أن وجدت في داخلي عوالم ثرية جعلتني أكتب شعرا جديدا، تتداخل فيه الأصوات وتشتد وتعلو فيه النغمة الدرامية. وقصيدة تحولات يوسف المغربي هي التجسيد الحي لهذا النوع من الشعر.
أنا الآن في مرحلة قد أدعي أنها جديدة. ولكنها تنحو في اتجاه مسارات أخرى مجهولة أنا الآن بصدد اكتشافها.
* ما المرجعية التي تستند إليها في شعرك؟
- مما لا شك فيه أن الشاعر يحتاج إضافة إلى الموهبة، إلى مرجعية هو ينهل منها، وهي تقوده إلى صناعة ما يكتبه. والمرجعية الإبداعية ليست بالمسألة البسيطة لأنها معقدة ومركبة، بخلاف المرجعية العامة للسياسي أو المفكر أو عالم الاجتماع. وهذا التعقيد يعود إلى كون الشاعر خالقا لعوالم وصانعا لها بالكلمات والخيال. ومن هنا فمرجعيتي هي أولا مرجعية أدبية، أي أن كل ما هو أدب يشكل مرجعا بالنسبة لي. وهي ثانيا مرجعية معيشية ، ولا أقول واقعية فقط، أي أن كل ما يعاش ، سواء في الواقع، أو في الأفكار أو التأملات أو الخيال أو الأساطير أو التاريخ... يؤثر في شعري ويؤثث إبداعي. إليوت أشار بذكاء إلى ذلك حين ربط الفنان بتاريخ طفولته وتاريخ جنسه البشري السحيق. وأنا بصفتي شاعرا، أتحرك ضمن هذه المرجعية والمساحة التي تضرب في الماضي السحيق، العربي والإسلامي والكوني، وتنفتح على الحاضر والآتي.
* هل يتراجع الشعر العربي عن مكان الصدارة للفنون الأخرى الوافدة؟
- للأسف الشديد، نسجل أن الشعر العربي تراجع كثيرا كثيرا. بل ولم يعد له ذلك المكان الصغير في حياتنا. ليس في عالمنا العربي فقط. ونسجل أيضا أن الإبداع بصفة عامة تراجع إلى الوراء. وأنا لست من ذلك الفريق الذي يقول إن الشعر تراجع لصالح الملحمة البورجوازية أو ملحمة الغرب، وأعني الرواية، وإنما أرى أن العالم العربي دخل هوة الاستهلاك المادي. وأن القراءة والاستمتاع بالأدب والتعبير بالأدب ، كل ذلك اصطدم بصخرة التحولات المادية الكبرى التي طرأت علينا في السنوات الأخيرة. ونخاف أن نشهد في المستقبل انقراض هذا الكائن العجيب الذي هو الأدب.
* شاعر الجماهير أم شاعر النخبة، أيهما تفضل؟ ولماذا؟
- أنت تطرح إشكالية تدخل فيما يسمى بنظرية التلقي، سببها خصوصية واقعنا العربي المنقسم على نفسه والمشتت بتعبير المفكر المغربي عبد الله العروي. وكان من الممكن أن يكون الشاعر في نفس الوقت شاعر الجماهير وشاعر النخبة. ولكن للأسف، وبحكم الأمية والتخلف المنتشرين في المجتمع العربي، بقي الشاعر بعيدا عن الجماهير، لا يفهمها ولا تفهمه، وإن كان قريبا منها روحا وفكرا وعاطفة. وفي الوقت ذاته لا يمكن أن نتفق على أن هذا الشاعر هو شاعر نخبة، لأن النخبة نفسها لا تملك من مواصفات النخبة ومحدداتها إلا القليل.
وبالنسبة لي، فإني لا أعتبر نفسي لا شاعر جماهير فقط، ولا شاعر نخبة فقط. أنا شاعر الجميع. وإذا كانت الجماهير لا تفهم شعري فذلك مرده إلى واقعنا المعقد والمهزوم والمتأخر، وإذا النخبة لا ترتقي إلى استيعاب شعري، فلأنها لا تبذل جهدا أكبر للاستمتاع بالشعر.
* بم يختلف الشاعر المعاصر عن الشاعر القديم؟
- هذان الشاعران يتفقان في الصفة، ولكنهما يختلفان من حيث العصر فقط. أي من حيث الأحداث والوقائع التي شهدها الشاعر القديم ويشهدها الشاعر المعاصر. ولذلك فأنا لا أفرق كثيرا بين شعر الحداثة والشعر القديم. كما أنني أكتب الشعر القديم ولكنني لا أنشر ما أكتب، لأنني أتحيز إلى عصري. ثم إنني أشبه كثيرا الشعراء القدامى، أشبة طرفة بن العبد والمتنبي وغيرهما. لكن ما أطرحه في شعري ينبع من عصري.
* هل هناك تعارض بين الذاتية والموضوعية في الشعر؟
- الجانب الموضوعي في الشعر يكمل الجانب الذاتي، والجانب الذاتي يكمل الجانب الموضوعي. والشعر إذا لم يكن يجمع بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، أي إذا كان إما ذاتيا محض أو موضوعيا محض، اختل وسقط. لذلك فالشاعر يحتاج إلى ثقافة واسعة تشكل الجانب الموضوعي، ويحتاج إلى تجربة غنية يستقيها من واقعه العام وواقعه الشخصي.
- ما دور الثقافة في الإبداع الشعري؟ ومتى تكون الثقافة عائقا أمام القريحة الشعرية؟
- كل شاعر يفترض فيه أن يكون مثقفا، وأن يملك نصيبا وافرا من المعرفة. اقرأ تجارب الشعراء الكبار، السياب، إزرا باوند، إليوت، المتنبي، والت وايتمان، لوركا، نيرودا... وستكتشف لديهم كنزا لا يقدر بثمن. ومن جهتي أنا، فأرى أن الثقافة لا يمكن أن تكون عائقا أمام القريحة الشعرية، إذا كان الشاعر يملك موهبة حقيقية.
* ما موقع الشعر المغربي الحديث في الخارطة الشعرية العربية؟
-الشعر المغربي للأسف لم ينل نصيبه من الدراسة لا في المغرب ولا في البلدان العربية، فقد بقي بعيدا عن الأضواء وعن مراكز الثقافة العربية المشرقية بامتياز. والشعر المغربي الجيد لم يمكنه النقد من الطفو على السطح، وإنما ما انتشر منه ليس جيدا بمقاييس الجودة الشعرية، بسبب النقد الإخواني. هذه مسألة أخرى، لكن الأهم أن الشعر المغربي في العقود الأخيرة وبعد أن خرج من العباءة المشرقية، قدم من حيث المستوى تجارب تنافس الشعر العربي في الأقطار العربية الأخرى. وقد حقق مثله مثل التجارب العربية المشرقية طفرات إبداعية لها مقوماتها الخاصة بها.
* ما معيار القصيدة الناجحة؟
- القصيدة الناجحة لا يختلف حولها الناس. ليس بالمعنى الذي ذهب إليه الشاعر القديم )ويسهر الخلق جراها ويختصم( ولكن بمعنى الاتفاق. وكل قصيدة تنجح في صياغة نفسها بالأدوات المعروفة تصبح إضافة من الإضافات. ونجاح القصيدة غالبا ما يكون نتيجة للتكامل بين الذاتي والموضوعي، بين الماضي السحيق والحاضر، بين اللغة والإيقاع، بين الأسلوب والأفكار.. القصيدة الناجحة هي نوع من السحر، أو هي السحر بذاته.

أجرى الحوار ماجد الحكواتي / الكويت
20/09/2004