إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقاربات نقدية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقاربات نقدية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 13 ديسمبر 2010

في نصوص الروائي أحمد التوفيق


في نصوص الروائي أحمد التوفيق

لقد عنت لي هذه الملاحظات وأنا أقرأ بحث الطالب الباحث الجيلالي الغرابي. ومنذ البداية يبدو لي أن الروائي أحمد التوفيق تستحق أعماله أن تدرس دراسات معمقة. ذلك لأن أحمد التوفيق شكل ويشكل أحد كتاب المغرب الذين يملكون قدرات كبيرة إبداعية على وجه الخصوص. وفي البداية أشير إلى أنه هو صاحب الدراسة القيمة جدا والأولى في الدراسات التي تناولت المجتمع المغربي: وهي " مساهمة في دراسة المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر، 1978-1984. وهو صاحب روايات "جارات أبي موسى و"شجيرة حناء وقمر" و"غريبة الحسين" و"السيل". وهو الذي حقق نصوصا تراثية، منها:"كتاب التشوف إلى رجال التصوف".وهو الذي نشر مقالات عديدة في التاريخ الحديث والوسيط وشارك في كتب جماعية وأعمال مترجمة.
وتأتي روايات أحمد التوفيق ومنها "شجيرة حناء وقمر" و"السيل" لتؤكدا على أهمية نصوصه بارتكازها على التاريخ كإطار عام يسمح لها بالتمويه داخل دروبه وحقبه المختلفة، وبالتالي ليدلل لها كل الصعاب للوصول إلى "الحقيقة الروائية". أو كما يقول إدوار الخراط "تأتي الخبرة التاريخية في الرواية من خلال منظور عصري، وفي بنية روائية خاصة، لا بد أن تنتمي إلى عصرها، وأن تسعى إلى تجاوز عصرها في الآن نفسه. ".
ومن هنا يمكن اعتبار روايات أحمد التوفيق بمثابة التاريخ الإبداعي المتخيل، داخل التاريخ الموضوعي المنتظر. والوعي الإبداعي الكاشف عن جوهر مفارقات التاريخ وتناقضاته..
يسعى أحمد التوفيق أيضا في أعماله التخييلية إلى إقامة نوع من المصالحة ّالحذرة" بين التاريخ وبين الرواية، مصالحة تحافظ لكلا الكتابتين على خصوصياتهما:
فالروائي لا يعين الزمن التاريخي الذي تجري فيه الأحداث، إلا عرضا ومن خلال إشارات باهتة. وبفعله ذاك يجنب الرواية صفة التاريخية، ويحافظ للتاريخ على تعاليه، من خلال مؤشرات سيميائية (اللباس –الألقاب-الحلي…).
والروائي لا يحدد الإطار الجغرافي لمجريات الأحداث، بشكل دقيق. وهذا ما جعله يصهر التاريخ والمتخيل داخل بوتقة الرواية. حيث اعتمد التاريخ إطارا عاما، من خلال مزجه بالطابع الأثنوغرافي وتطعيمه برائحة القرن التاسع عشر سواء من حيث الألفاظ المخزنية الموظفة والجاثمة على النص.
والروائي يحاول اقتناص رؤية المتخيل، ورؤية السردي لفترة تاريخية معينة هي فترة (ق 19)، تكون مناظرة لرؤية وموقع المؤرخ، وحاملة لوعي مختلف عن وعي وروح الوثيقة التاريخية.
تشكل رواياته رحلات في البوادي المغربية/الحوز؛ في مناطق لا نعرف عنها شيئا، مناطق المغرب غير النافع. مغرب لم يتبدل. فإذا كان التاريخ يتحدث عن الحواضر، مركز السلطة بشكل واف، ويخفي كل ملامح البادية، فروايتا أحمد التوفيق شجيرة حناء وقمر والسيل تأريخ للبادية والجبل وإغفال للمدينة، وهما، من هذا القبيل، إعادة اعتبار للبادية، وهذه نقطة مركزية في طروحات أحمد التوفيق المؤرخ.
وما يساهم في تشكيل جمالية روايات التوفيق هو تلك اللوحات الإتنوغرافية لمغرب القرن التاسع عشر، وهي لوحات تجهد لتكشف عن خصائص صورة البادية المغربية عن طريق استثمار النظام اللغوي الشفهي، المتمثل في الأشعار واللهجات المحلية؛ وأسطرة الذات بوصفها ذات الجماعة.ومن هنا يأتي التمجيد الروحي والجسدي للشخصيات، في عذريتها وبراءتها، فهو تمجيد لجمال البادية المغربية في نقائها…
وتطغى على نصوص أحمد التوفيق نفحة ثقافية، بمعناها الأنتروبولوجي، لأن المؤلف/المؤرخ يشتغل على التاريخ الاجتماعي، وما دام يعود إلى الذهنية المغربية متمثلة في الديني والسحري والخرافي. لذا وجب التوقف عند دلالة ألفاظ رواياته. ومن أهم الألفاظ عناوين الروايات. فالشجيرة والشجرة عموما كما تتفق أغلب موسوعات الأساطير العربية، تعبير رمزي للتجدد والنمو: "النبات تعبير عن تجربة الخلود والانبعاث والحياة المستمرة". "فلا غرابة أن توضع (الشجرة) في بداية الخليقة. فدلالاتها الرمزية واضحة، فمنها شجرة الحياة وشجرة المعرفة وشجرة الكون. ولكن المعنى الجامع هو معنى الحياة والتجدد والخلود. فضلا عن أنها رمز كوني". وبالعودة إلى القرآن الكريم نجدها قد وردت في ست وعشرين آية.أما لفظة "القمر" فتعود بنا إلى عالم الأساطير.. وكرمز تعود إلى التفكير الأسطوري. ذلك أن العرب من أقدم عبدته، يقول محمد عجينة: "كان القمر إله عرب الجنوب، وهو نفس اسمه عند السومريين. أما لفطة "السيل" فقد ورد ذكرها في القرآن، وهي مرتبطة أشد الارتباط بوضع الإنسان في العالم الدنيوي.
وبالعودة إلى رواية شجيرة حناء وقمر نجد القمر واردا كجرم سماوي، ونصادفه في لوحات خاصة. من هنا محاولة الروائي الجمع بين ما هو متعال (القمر)، وما هو أرضي (الشجرة)، وإن احتفظ هذا الجمع بالرتبة الأصلية المتواجدة في النص الديني، مع تغييب للشمس لتحل محلها الشجرة، ذات الحمولة الدينية، إذ ارتبطت الشجرة بنور الله وبكل ما هو طيب: }الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة، فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب ذري يوقد من شجرة مباركة{سورة النور، الآية 35.
}ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة{سورة إبراهيم، الآية 24.
في أعمال أحمد التوفيق يعتبر الفضاء عموما، الحيز الذي لا يتحقق، في النادر، سوى على الورق؛ أي عبر نسق معين، وإن كان السرد القصصي يراهن على كينونة الفضاء/الحيز، حيث تنتشر العلامات اللغوية، وتتوزع مترابطة على هيئة سلسلة. مما يجعله يؤشر على المرحلة التاريخية المشعة بخصائص العصر وطوابعه الاجتماعية والثقافية والدينية، إنه أديولوجيم الحقبة، بلغة كريستيفا.
يتميز الفضاء الروائي باستقلاليته الموضوعية، كإطار لمجريات الأحداث، فهو فضاء مبدع، أعاد الروائي إنتاجه وفق عمليات وظيفية، جمالية وإنسانية، طبع بها الروائي شخوصه.
إن فضاء حصن السوق فضاء منغلق على نفسه، فهو عبارة عن قصبة محاطة بأسوار، وداخل القصبة هناك فضاءات مسورة ومحرمة على العامة، المنزه، الرياض. أما السجن، فهو مكان لإحكام القبضة على الأعداء.
على أن علاقة حصن السوق كنسق فضائي مغلق –بلغة بورنوف- في ارتباطها بالنسق الفضائي المفتوح تتحدد من خلال انفتاح حصن السوق على مدن فاس، مراكش، الدار البيضاء وعلى المجهول والبادية.
ومنذ الوهلة الأولى يحس القارئ بذلك النفور من حصن السوق (دلالة الاسم) ومن صاحبه. وإن حاول القائد همو أن يعيد تأثيث الفضاء من جديد سواء بعد زواجه من السالمة أو بعد زيارته لبيت الوزير…
لقد سعى أحمد التوفيق من خلال روايته إلى نقل صورة للبنيات الذهنية والثقافية المغربية، مستفيدا من التاريخ الاجتماعي ومسقطا إياه إلى عالم الرواية، حيث تزخر رواية شجيرة حناء وقمر بالعديد من اللوحات الفنية التي تزيد السرد الروائي عذوبة، إلى درجة أن القارئ يبقى مشدودا إلى قدرة الروائي أحمد التوفيق الوصفية.
وتشكل لوحة الشاي قطعة فنية، تماشيا أولا مع الظرفية التاريخية المتحدث عنها، ولكونها، ثانيا جاءت متساوقة مع السياق العام الذي تسرد فيه الأحداث وهي لوحة تستغرق أربع صفحات.
وتكشف الرواية عن العديد من مظاهر أنماط الوعي والثقافة المشكلة لبنية المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر وفي منطقة محددة روائيا هي منطقة (الحوز) عبر لوحات فلكلورية/ثقافية بالمعنى العام، مثل لوحة إخراج الكنز المتحدث عنها في الصفحات (من 191 إلى 194)، وهي لوحة تنتمي إلى السرد الشفهي المسكوت عنه الذي يعيد له الروائي بفعله هذا الاعتبار.
في روايته "السيل" اختار أحمد التوفيق أن يركز على مسار الشخصية الرئيسية "محمد بيزين" والتحولات العميقة التي طالته، فعلى امتداد 150 صفحة من الحجم المتوسط تسرد الرواية قصة هذه الشخصية، انطلاقا من مسقط رأسه في إحدى قرى الأطلس النائية، التي تكاد تكون منعزلة عن العالم ، فنعرف منذ بداية الرواية أن هذه الشخصية ولدت في ظروف استثنائية من أب عطار و أم خادمة ، وحين يأتي هذا الطفل إلى الدنيا يجد نفسه يتيما ، لا أحد يذود عنه أو يحميه من عدوانية الآخرين و قسوتهم ، ينمو تدريجيا وسط الاحتقار و اللامبالاة ، ثم يكلف برعي البقر إلى أن يشتد عوده فيكلف برعي الغنم ، هذا العمل سيجعله يسيح على وجهه في الأرض بعيدا عن أعين الأهالي المزدرية .. يكبر الراعي و تكبر معه أحلامه إلا أن المكيدة و الغدر يكونان له دوما بالمرصاد ، فيصاب بداء القرع، الذي يجعل طباعه تصبح أكثر حدة، و يغدو قلبه أكثر قسوة تجاه من حوله .. في غفلة من الجميع تربطه علاقة غامضة بامرأة تدعى"لومي " فتصبح مستودع أسراره و أحلامه و فحولته .. يأتي السيل بغتة ، وهو نائم ، فيجرف غنمه ، فيسجن في القرية و يستدعى الدرك الفرنسي ، الذي يبدي تعاطفا معه أكثر مما أبداه أبناء جلدته . يخلصه الدرك من سيده ، فيشرع في الاشتغال لحسابه الخاص ، يستمر في ذلك إلى أن يلتقي برجل تاجر، تتوطد ثقته فيه ،فيأخذه معه إلى المدينة و يبحث له عن عمل عند أحد المعمرين الفرنسيين في معمل مختص في عصر حبات الزيتون.. يجد " بيزين" في عمله و ينجح فيه مما يجعل الفرنسي يقربه منه ، بل و ينقله إلى بيته بإيعاز من زوجته مدام "فيبي" ، لكن اضطرابات في المعمل تدعو الفرنسي لإعادته نحو عمله الأول ، فيعود إليه و قد اكتسب نفوذا و سلطة أكبر.
يصادف هذا الرجوع تأجج حركة النضال الوطني ضد المستعمر الفرنسي ، فينخرط محمد بيزين أو الكابران محمد في هذا العمل من خلال تنظيم حملات لجمع المال للوطنيين ، هذا العمل سيؤدي به إلى السجن والتعذيب ، لكن تدخل زوجة الفرنسي لدى الحاكم ، ستكلل بالإفراج عنه رفقة بعض رفاقه.
يحصل المغرب على استقلاله السياسي و يعود الكابران محمد إلى قريته أملا في أن يتزوج منوش ابنة عشيقته القديمة لومي. لكن أهل دار سيده بعد أن رحبوا به أخذوا منه أمواله وضيعوه بالشعوذة والسحر حتى فقد عقله وأصبح مجنونا لا يحتمل وجوده وخلقته.
وفي الختام يهمنا أن نؤكد على أهمية روايات أحمد التوفيق التي اعتمد فيها الخطاب التاريخي مغلفا بالخطاب الروائي، بحيث لا يمكن التفريق بينهما، لأنهما يعتمدان تصورا واحدا للزمن، ولأن الخطاب التاريخي المتواجد في النص الروائي، يتشكل حكائيا، بقدر ما يتوخى إقامة علاقة يمرر عبرها موضوعات وأشياء تكون لها صلة بالتاريخ وبالحاضر…

القمري الحسين شاعر الالتزام والمحبة

عبد الرحمن بوعلي
ليس الشاعر الحسين القمري شاعرا فحسب، بل إنه منطق العربية ومجيدها،
عشنا معه لحظات سعيدة ونحن نقرأ شعره الباذخ،
هو الذي عاش بيننا زمنا، ولا زال مغردا كالطائر الحر،
ثم عاش في خيالنا زمنا آخر، ولا يزال،
كتب أفراحنا وأقراحنا
أنشد للوطن أناشيد شدت إليها القلوب
وها نحن معه اليوم بكل جوارحنا
في مدينته الناضور نتأمل أناشيده التي أصبحت دالة عليه،
كم أنت رائع أيها الشاعر
يا أيها الريفي الذي علم العربية للعرب.
عبد الرحمن بوعلي

الأحد، 23 مارس 2008

المشهد الشعري في المغرب: من التأسيس إلى التساؤل 3

المشهد الشعري في المغرب: من التأسيس إلى التساؤل
الحلقة الثالثة
بقلم: د.عبد الرحمن بوعلي

"عندما نكتب نضع البذور،نحن نفترض أننا نضع نوعا من البذور، ونفترض أننا بالتالي نضع أنفسنا من جديد ضمن التواصل العام للبذور..."
رولان بارط

لم تكتمل دائرة المشهد الشعري في المغرب بجيل السبعينات الذي أطلق عليه المرحوم عبد الله راجع في أطروحته المميزة اسم جيل "الشهادة والاستشهاد"[1]، بل ولم تكتمل حتى نصف الدائرة، ذلك أن الذين كتبوا الشعر المغربي- أو جزءا منه- لحد نهاية السبعينات، لم يكونوا إلا كوكبة الطليعة أو رأس الرمح، وكان لا بد أن تنضاف إليهم كوكبة أو كوكبات أخرى هي ما اصطلح عليه بجيل الثمانينات والتسعينات، وهو جيل شكلته أسماء شابة جاءت إلى ساحة الإبداع بعد أن حققت رصيدا من التذوق الفني والجمالي-الشعري بالدرجة الأولى- وبعد أن فتنت بالحركات التجديدية في الشعر العربي والعالمي.
والحق أن هذه الأسماء الشابة لم تعرف الجيل الستيني على الإطلاق، ولم تكن معرفتها بجيل السبعينات بالمعرفة الكاملة، رغم أن معظمها تخرج على أيدي شعراء السبعينات، وتشرب هموم وطموحات وآمال الواقع المغربي والعربي، وانبهر -في أغلبه- بنماذج شعرية عربية وعالمية كانت تراهن كلها على حداثة مفرطة في الشكلية.
الصفة الثانية في هذا الجيل - ونعتقد أنها صفة أساسية وجوهرية- هي أنه جيل مشاكس، لم يذعن للسابقين عليه، رغم أنه تتلمذ عليهم، وكأن أصحابه أخذوا بذلك الشعار الذي رفعه بعض الروائيين الإنجليز والمتلخص في تلك العبارة القوية والرنانة: "انظر وراءك في غضب". والحق أن نظرتم الغاضبة هاته، وأن رؤيتهم الشعرية التي عبروا عنها، وأن خطاباتهم الشعرية التي خلفوها، إن هي إلا نتاج لوضعية سوسيو-ثقافية وفكرية متأزمة.
وليس مهما أن نتناول هذه الوضعية بتفصيل، ولكن حسبنا أن نشير إلى بعض ملامحها الأساسية.
فأولا: هذا الجيل الجديد، وإن وجد له أسلافا، لم يجد فيهم من يدعم خطواتهم، ويؤثث مخيلتهم، وينتقد توجهاتهم، ويساهم معهم في توصيل أصواتهم، وفي الدفاع عنهم، وإنما وجد جيلا يدعي الريادة وينسبها إلى نفسه دون حجج مقنعة، بل ويحاول أن يرسم صورة مشرقة له حتى يكتسب الشرعية. وهو حتى في انفتاحه على هذا الجيل الجديد إنما يقترح عليه حلولا لا علاقة لها بأي سلوك إبداعي لما في هذه الحلول من طعم أستاذية فجة.
وثانيا: لأن هذا الجيل الجديد وجد أمامه واقعا آخر، ليس هو الواقع الذي عاش فيه السابقون عليه، أي ذلك الواقع الذي كان يترك هامشا للمغايرة والتفرد، بل وجد واقعا اكتملت دائرة الانهزام والمأساوية فيه، وتفتتت أفكاره ورؤاه وتكتلاته، وتحللت مشاريعه الوطنية والقومية، وحتى تلك التطلعات والطموحات الشخصية المسكونة بلذة الفعل والاكتشاف لم تعد قائمة. ولعله كان حريا بهذا الجيل إذن أن يخرج عن القاعدة، وأن يبحث له عن هامش غير موجود يصنعه بالكلمات والأفكار والأشكال دون رضوخ لنموذج مسبق، ودون وصاية من أي أحد.
وفي هذا الإطار يمكن أن نفهم تلك الصرخة المدوية التي عبر عنها الشعراء الشباب-أي التسعينيون- حين تناوشتهم سيوف النقاد والشعراء السابقين، وحين اتهم شعرهم بالسقوط والرداءة والإسفاف[2]. ويمكن أن نفهم تلك الثورة التي قامت، وذلك النقاش الذي كان سببه رأي عبر عنه شاعر سبعيني[3]، بل ويمكن أن نفهم أيضا ذلك الاحتجاج الذي عبر عنه باحث شاب-هو المرحوم محمد الماجري- في رده على رأي مناوش لشاعر سبعيني هو محمد بنيس تناول فيه كتابه "الشكل والخطاب"[4].
وعلى العموم، وبدون تفصيل أكثر، فجيل الثمانينات والتسعينات، وإن كان قد خرج -رسميا وتاريخيا- من المعطف الشعري لسابقيه، فقد خرج عن طاعتهم، وغايرهم فيما يتعلق بالأمور التي لها علاقة بالشعر، مثل مفهوم الحداثة، وعلاقة الشعر بالواقع، وباللغة، وبالتراث، وبالإيديولوجيا.. بل وخرج عن التقليد القديم الذي ربط الشعر بالالتزام والذي درج عليه شعراء الستينات والسبعينات استجابة لنزعات قومية وتحررية. وفي هذا الصدد يمكن القول إن الكثير من القيم الشعرية الفلسفية والأخلاقية والإيديولوجية التي لها علاقة بالإنسان مفهوما وواقعا، والتي دأبت الأصوات الشعرية السابقة على تأسيسها وتجذيرها وحمايتها، لم يعد لها مكان في هذه التجربة الجديدة. فلم يعد يهم إذن في هذه التجربة إلا ما له علاقة بطرق التعبير أو هذا ما يظهر للوهلة الأولى على الأقل، ولذلك فقد أثيرت من جديد مسألة الشعر الموزون والشعر المنثور، وأثيرت قضايا أخرى كان الناقد يظن أنه قد حسم فيها. بعبارة أخرى يمكن القول إن ما أصبح يهم ليس هو ما يقال بل كيف يقال، وهو سؤال كان الجيل السابق-جيل السبعينات- قد طرحه من قبل وأجاب عنه، وقتله بحثا.
إنها مرحلة أخرى، بل إنها عمر آخر سيدخله المشهد الشعري، وكأن القصيدة المغربية دخلت منطقة درجة "الصفر" ، وهي مرحلة أخرى من مراحل الكتابة، وكأن الشاعر قد خرج من همومه الوطنية والقومية ليلج عالما آخر لا خير فيه ولا شر، لا قبح فيه ولا جمال، لا مسؤولية فيه ولا تيه. لكأن الشعر قد تم اختزاله إلى لغة فقط.
وليس هذا فحسب، بل وقد نشعر أن ما أسس فرادة تجربة هذا الجيل الجديد، هو ربط ممارسيه-باختزال شديد- بين الفاعلية الشعرية والفاعلية النظرية، حيث انصهرت جميع التصورات والتهيئات المعاصرة حول مفهوم الشعر ونظريته، فأصبح الشعر "فاعلية كلغة" و"اشتغالا بها" كما يقول هنري ميشونيك[5]، وطرحت مسألة ترسيخ تقليد الحوار وفتح المجال لإعادة النظر في كل ما هو بدهي ومكبوت ومهمش ولا مفكر فيه، أي ما له علاقة "بعصر الأسئلة" حسب التعبير المألوف لأدونيس[6].
ثمة إذن ارتجاج كبير سيشهده المشهد الشعري في نهاية الثمانينات ومع بداية التسعينات، وهو ارتجاج مس الوعي النظري الشعري، وانعكست مظاهره على البناء الشعري في تجربة هؤلاء القادمين إلى الشعر، ليس انطلاقا من النماذج المؤسسة قبلا-عند السياب والملائكة والحيدري والبياتي.. أو عند شعراء الستينات والسبعينات في المغرب: المجاطي والسرغيني والكنوني..- بل انطلاقا من نماذج مترجمة، أغلبها يخلو من الحرارة الشعرية التي توفرها "الأصالة" العربية على مستوى القول الشعري.
لكن ما الذي يعنيه هذا الأسلوب الجديد في الكتابة والنقد والمواجهة؟ هذا الأسلوب الذي لم يفهم على حقيقته والذي لا زال يحير النقاد ويجعلهم يتصرفون وكأنهم لا علاقة لهم بهذا الشعر؟ هل يعني أن هذا الجيل الجديد لم تعد ترضيه النماذج المقولبة السابقة؟ وهل يعني أنه ارتضى القطيعة بدل التواصل؟ وهل تمثل الحداثة بالنسبة إليه مجرد مشروع لا زال لم يتحقق؟... أو لم يقل أدونيس إن " الإبداع يفترض الجديد" و‘أنه "اعتراف بأن الماضي ليس كاملا" [7]؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] عبد الله راجع- الشهادة والاستشهاد- دار عيون المقالات، 1986
[2] انظر الملاحق الثقافية للجرائد المغربية: العلم - الاتحاد الاشتراكي- بيان اليوم- أنوال.
[3] جريدة الشرق- مارس 1994.
[4] محمد الماجري- الشكل والخطاب- المركز الثقافي العربي 1992.
[5] هنري ميشونيك- نقد الإيقاع (بالفرنسية) ص63.
[6] أدونيس - النظام والكلام، ص20.
[7] نفسه، ص 26.

السبت، 22 مارس 2008

المشهد الشعري في المغرب: من التأسيس إلى التساؤل 2

المشهد الشعري في المغرب: من التأسيس إلى التساؤل
الحلقة الثانية
بقلم: د.عبد الرحمن بوعلي


"الإبداع يفترض خلق الجديد... وهو اعتراف بأن الماضي ليس كاملا"
أدونيس

ثمة إذن جيل من الشعراء المغاربة عاشوا المرحلة الأولى، أو بعبارة أخرى، عاشوا فترة التأسيس الأولى بما تضمنته تلك الفترة من لحظات إيجابية أو سلبية، وبما عكسته من دلالات وقيم وأشكال. وليس من شك في أهمية هذه المرحلة الأولى التي حبلت بكل الخطوات النازعة إلى تجديد المشهد الشعري في المغرب، هذا المشهد الذي كان ينوس بين تقليد التقليد والنسج على منوال الرومانسية الغارقة في تمجيد الذات الشعرية.
ومن هنا، فقد كانت مرحلة الستينات مرحلة هامة، فتحت للتجديد آفاقا ورؤى وتطلعات، سيتجمل مسؤولية تحقيقها الجيل اللاحق الذي نطلق عليه جيل السبعينات.
جـيــل الســبـعـيـنـــات:
وإذا كان جيل الستينات، وهو جيل التأسيس، قد اكتوى بنار الهزيمة بعدما أطلق التجربة الأولى من قفصها، فالجيل الذي سيأتي بعده، وهو الجيل الثاني في الترتيب، لن يجد الأرض مفروشة بالورد، ولن يجد الواقع خاليا من الأشواك، بل سيجد الأرض غير الأرض، والثقوب قد اتسعت قليلا.
لقد كانت الهزيمة هي مبتدأه والاستسلام هو منتاه. وقد شكلا هما معا - الهزيمة والاستسلام- علامتين فارقتين في تاريخه الشعري، ومحددين أساسيين في تجربته. ومن المحتمل بل من المؤكد، أن ما سيمنحه الشرعية الشعرية بالأساس هو هذا الموعد الذي ضربه مع التاريخ، حيث بدأت تباشير تفتت الإيديولوجيا القومية تسطع في سمائه، لتنحو به طريقه نحو مفازات أخرى، وحيث ازدادت قناعته بأن لا بديل غير المضي بالقصيدة حيث التحرر الأعمق والأشمل والأكثر جذرية من كل ما يشدها إلى الوراء، وحيث النظر في غير اكتراث لممارسات الماضي وإنتاجاته.
وكما كانت التصدعات والأزمات التي عرفتها الأمة العربية هي المعالم التي طبعت لحظة ولادة التجربة الشعرية الحديثة، كما يذكر كمال خير بك، فإن تسارع هذه التصدعات والأزمات كانت سببا في تفجر إبداعية هذا الجيل، وفي استقطاب هذه الحركة الشعرية لعشرات الشعراء، معظمهم إن لم نقل جلهم رفعوا شعار النقد والتجديد، جاعلين من التفكير النقدي الجذري الأساس والوسيلة لإعادة التأسيس والبناء.
ومن هذه الزاوية الخاصة يمكن القول إن الفكر عند هؤلاء ازداد اتصالا وتواشجا وجذرية مع ما يسميه أدونيس "أسطورة النهضة" التي "تنهض على مجموعة من المسلمات والمسبقات: القومية، الهوية، الوحدة، الذات، الأصالة، روح الأمة...الخ"[1]. وهو الأمر الذي أدى بهذا الجيل كله إلى أن يتبنى " الثقافة الإيديولوجية" التي تقوم -حسب أدونيس- على تبجيل الماضي وتقديسه. وفي هذا الإطار نستطيع أن نفهم التحمس الشديد لشعراء جيل السبعينات للقضايا الأساسية والهامة التي أفرزتها نهاية الستينات وبداية السبعينات. ومن قبيل تلك القضايا، قضايا فلسطين والهزيمة العربية أمام إسرائيل التي أنهت أو كادت التطلع إلى المستقبل، والتفكك العربي، وحرب لبنان، وقيام حركة المقاومة الشعبية والفصائلية... بل وتحمسهم للقضايا التي تبدو ثانوية وثاوية في علاقة الإنسان بالإنسان، أو في الثقافات الوطنية وما هو محلي..
وتأسيسا على ذلك، كانت الكتابة الشعرية الجديدة تغدو استنساخا أو إعادة إنتاج لما هو كائن من المسلمات والأفكار. وتجد هذه الوضعية - السلبية فنيا وجماليا وإبداعيا- تفسيرها في تبعية الثقافي للسياسي، مرة بشكل كبيعي وإيجابي، وأخرى بشكل قسري وسلبي مفروض، ذلك لأن التبعية وخاصة تبعية الثقافة للأمور السياسية يعمق من تخلف الإبداع، أو كما يقول أدونيس "لأن هيمنة الأدلجة دينيا وفكريا تخلق نصا يقينيا، وهذا النص يقرأ ويعاش بوصفه سلطة تأمر وتنهي، وهو نقيض للشعر ونقيض للمتخيل بخاصة"[2]
وعلينا مع ذلك أن نؤكد أن هذا الاتصال الحميمي بالثقافة الإيديولوجية، الواعي وغير الواعي، الذي شغل هؤلاء الشعراء، يشهد على إصرار وتوق هؤلاء الشعراء لخلخلة البنيات الثقافية السائدة. وقد وجد فعل الخلخلة هذا أصداءه في تجارب دالة تبرز إلى حد كبير -حسب جوليا كريستيفا- "الممارسة الأدبية باعتبارها استثمارا واكتشافا لممكنات اللغة في كونها فعالية تجعل الذوات في مواجهة الشبكات اللسانية (النفسية والاجتماعية)"[3]، بل ويعطي للإبداع امتدادا وينسب أفقه الاختلافي الذي تجمله تجربة جيل السبعينات.
من هذا المنطلق الاختلافي إذن، تشكل هذا الجيل الجديد الذي سيوسع تجربة الشعر المغربي، وسيجعلها تتخذ أفقا يتغيى تجديد أبنيته ومواقعه. وقد يصعب علينا أن نستعرض الأسماء التي برزت والتي طورت نموذج الستينات، ولكن من الممكن أن نذكر أسماء نعتقد أنها تركت بصماتها الشعرية واضحة في عقد السبعين، ولا زالت تواصل مسيرتها بعد أن نضجت تجربتها بفعل الممارسة الدائمة والتنقيح والتطوير. ومن هذه الأسماء نذكر: عبد الكريم الطبال، محمد الميموني، أحمد مفدي، أحمد الطريبق، أحمد بلبداوي، حسن الطريبق، ادريس الملياني، عبد الله راجع، محمد الأشعري، محمد بنيس، محمد بنطلحة، أحمد بنميمون، علال الحجام، عبد الرحمن بوعلي، حسن الأمراني، محمد منيب البوريمي، محمد علي الرباوي، محمد بنعمارة، رشيد المومني، الحسين القمري، محمد لقاح، عبد السلام بوحجر، المهدي أخريف، محمد الشيخي، عبد الرفيع الجواهري، مليكة العاصمي، محمد بودويك، أحمد آية وارهام.....
إن هذه الأسماء وغيرها، وهي تخرج من معطف النموذج الستيني، وهي تكسره وتعارضه، وهي تقلده أيضا، وجدت في الأسلوب المعارض-بالنسبة للنموذج الستيني- وفي أسلوب التجديد والتطوير - بالنسبة للخطاب الشعري- الوسيلة الأولى من أجل بناء صرحها الشعري. فكان أن اقتحمت الواقع ومجاهله وخفاياه، ناسجة منه خطابها الشعري، فساوت بين تجربتها في الحياة وكتابتها الشعرية. من هنا، فقد بدت كتابتها الشعرية وكأنها محاولة لنقل ما يجري في الواقع. والحق أن هذا الأمر - وإن كان يبدو إيجابيا في تلك المرحلة- فإنه أكد سلبياته فيما بعد، حيث اتضح أن الإبداع كان أبعد من أن يكون هو الأساس، وكان تراجعه واضحا في مقابل تقدم الأفكار والمواقف والمضامين.
ولعل أهم ما أكدت به التجربة الشعرية ذاتها في هذه المرحلة انفتاحها على تجريب الشعر المنثور، فقد شكلت المرحلة السابقة -الستينات- ونموذجها الشعري عقبتين أمام انخراط الشعراء بكل حرية في القصيدة النثرية، غير أن المرحلة الراهنة شكلت نقلة نوعية، فصدرت دواوين شعرية تحررت جزئيا أو كليا من ثقل التفعيلة، ومن هذه الدواوين: "وجه متوهج عبر امتداد الأزمنة" لمحمد بنيس، و"صهيل الخيل الجريحة" لمحمد الأشعري، و"مشتعلا أتقدم نجو النهر" لرشيد المومني، و"أسفار داخل الوطن" لعبد الرحمن بوعلي...
إضافة إلى هذا، فقد أكد شعراء آخرون ارتباطهم بالمنجز الشعري العربي القديم والحديث، محاولين الاستفادة منه شعريا وفكريا، ومقتفين آثار "النص الغائب" عند شعراء جاهليين وإسلاميين.. وقد برز من هؤلاء شعراء عديدون منهم على سبيل المثال لا الحصر، عبد الله راجع، وحسن الأمراني، وأحمد بلبداوي، وأحمد مفدي، ومحمد بنطلحة وغيرهم...
وفي مرحلة لاحقة، سيبدأ هذا الجيل في بحثه عما يجعله متفردا، وسيجد في القصيدة الكاليغرافية -الموظفة للخط المغربي والتي تزعمها بنسالم حميش ومحمد بنيس وعبد الله راجع وأحمد بلبداوي- شكلا آخر من أشكال الشعر المغربي، وسيجد هؤلاء في الأصول الأندلسية والمغربية القديمة ما يثبت هذا التقليد/التجديد، ويجعله فتحا من فتوحات هذا الجيل.
ولئن كانت القصيدة الكاليغرافية قصيرة الحياة، ولم تعمر طويلا، فقد تركت أثرها الكبير في الكتابات التي ستأتي بعد ذلك، وقد شكلت دلالة لا يمكن التقليل من أهميتها، ذلك أنها حررت الإبداعية الشعرية المغربية من القيود التي فرضتها عليها أنساق الكتابات الشعرية السابقة، وعلى الأقل، فقد أمدت هذا الجيل- والجيل الذي سيليه- بالطاقة الخلاقة التي تتحقق عند لقاء الحرية بالإبداع، الإبداع الذي كما يقول أدونيس "يفرض الجديد" والذي هو " اعتراف بأن الماضي ليس كاملا"[4].
هكذا، فالتجربة الكاليغرافية، باعتبارها شكلا مغايرا ومختلفا عن النمط السائد والمألوف، أعادت النظر من خلال مجهودات أصحابها في مفهوم الكتابة الشعرية، وذلك بأن أضافت إلى هذه الكتابة "شيئا" لا علاقة له باللغة فحسب، "شيئا" يضرب عميقا في أنطولوجية "الجسد" ووشم "الذاكرة" وحجم "المادة". ولئن كانت هذه التجربة قد فتحت كوة في الإبداعية العربية والمغربية، فقد ظلت -مع ذلك- بعيدة عن تحقيق تلك القفزة النوعية التي غيبتها الظروف السوسيو-ثقافية... إن الكتابة الكاليغرافية وهي تحاول نقل الشعر المغربي من نمط سائد إلى نمط جديد، ومن طور منجز إلى طور لم ينجز بعد، ظلت حبيسة مطرقة الشعارات المنادية بحرية الإبداع والتحرر من قيوده، وسندان الالتزام بالإبداع وقيوده. ومن هذه الزاوية، فإننا نعتبرها حركة تغيت تقويض ما هو ثابت في الفكر وفي الحياة والإبداع، لكن هيمنة الصوت الواحد فيها -باعتبار الشعر تعبيرا عن إيديولوجيا- وامبرياليته أيضا، فقد أضعفت هذا الامتداد الإشعاعي للشعر الكاليغرافي، فاختزلت بناءاته التأسيسية باسم الحفاظ على وحدة إيديولوجية، أو باسم الحفاظ على الواحدية الإبداعية، مؤدية يذلك إلى ما يسميه أدونيس مرة أخرى "بلاغة الإلغاء"[5].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أدونيس - النظام والكلام- دار الآداب، ص 26
[2] نفس المرجع السابق، ص 124
[3] جوليا كريستيفا- ثورة اللغة الشعرية، ص 63
[4] أدونيس- النظام والكلام، ص63
[5] نفسه.

الأحد، 2 مارس 2008

شعرية الإيمان في ديوان بؤرة الروح

شعرية الإيمان في ديوان بؤرة الروح
للشاعرعلي فهيم زيد الكيلاني
[1]
د.عبد الرحمن بوعلي

مدخل:
بؤرة الروح هو ديوان شعري للشاعر الأردني علي فهيم زيد الكيلاني[2]، الذي ولد في مدينة السلط عام 1931 وعاش فيها في بداية حياته يعشقها ويهيم بروابيها ولياليها الساحرة. الأمر الذي فجر فيه مشاعر الصفاء والنقاء العجيبين، وترك في نفسه أثرا ظل يصاحبه ويواكبه إلى أن أفضى به إلى دائرة الشعر والتأمل في قضايا الإنسان المصيرية. ولا عجب أن أن ينتج شاعر كشاعرنا هذا ديوانا يسجل فيه كل ما يعتمل في فكره وعقله من أفانين التأمل، سواء فيما تعلق بقضايا وطنية ظلت إلى الآن تشكل مهامز تدفعه إلى التفكير أو في ما يتعلق بالقضية الكونية الكبرى: قضية الوجود الإنساني والوجود الإلهي وما بينهما من علاقات ووشائج.
ديوان بؤرة الروح كان نتاجا لشاعر مغرم بالتعلق حد التفاني بخالقه سبحانه. لذلك فهو مفعم بالروح الإيمانية التي تصاحب المسلم المؤمن، وتوجهه أينما سار وارتحل. ومن هنا عن لنا أن نوافيه بهذه الدراسة في إطار هدا الملتقى الذي تخصصه رابطة الأدب الإسلامي العالمية للأدب الإسلامي الأردني في المغرب تحت شعار" نحو رؤية أدبية حضارية".
عناصر القراءة الشعرية:
الخطاب الشعري بشكل عام خطاب معقد ومتشابك. وهو خطاب تظهر فيه الفعالية التصويرية بأقصى درجاتها للرؤية التي يتبناها الشاعر. وغاية دراسة المجموعة الشعرية بؤرة الروح للشاعر الأردني علي فهيم زيد الكيلاني هي الوقوف على تجربة شعرية متميزة، وإظهار توليد البنية التصويرية للرؤية الإيمانية التي يتكشف عنها الديوان. هذه الرؤية التي عالم من القيم والمشاعر بتكريسها لمختلف الأصناف التي تحدد الممارسة الشعرية للإدراك الحسي.
ولا شك هذه القراءة التي أبسطها أمامكم ليست إلا محاولة لاستثمار نوع من التحليل الشخصي الذي يستفيد من تكويني المنفتح على القديم والحديث أولا، ومن تجربتي الشخصية الشعرية والوجودية والقرائية، وأكثر من ذلك، فهي قراءة استجابت لرد فعل عن كثرة المقاربات النقدية للنص الشعري التي اتخذت من الحداثة والحداثوية مطية سهلة، دون أن تفيد العملية الإبداعية، بل ودون أن تصل إلى مستوى المقاربات النقدية القديمة والتقليدية التي ظلت وفية للنص الإبداعي.
من هنا، ومن دون أي ادعاء يمكنني أن أطرح هذه القراءة كعمل تطبيقي، لفكرة أن أحاول أن أضع لها الأسس النظرية بغية تحقيق هدف مزدوج:
1- تطوير الممارسة النقدية العربية في مجال شعرية الأدب التي يعيقها أمران:
أ- الارتباط الأعمى بالغرب،
ب- وقلة الاعتماد على الذات الإبداعية.
2- تثوير العملية الإبداعية، بما في ذلك الكتابة الشعرية التي لم تعد في جزء منها تستجيب للظروف والمتغيرات وتبدلات الواقع السوسيو-ثقافي العربي الذي يمتلك من الخصوصيات القوية والمتنوعة ما يجعله يتميز عن واقع الغرب.
إن هذه القراءة يقودها شعور بإخفاقنا حتى على مستوى التعبير عن كياننا وعواطفنا وأحاسيسنا. وهي لذلك، تحاول أن تركز على عنصرين أساسيين:
1- عنصر الشاعر كمبدع وكإنسان، بما يمثله في الكون، أي باعتباره مخلوقا، ثم خالقا للنص، ثم متقبلا للنص.
2- النص الشعري، باعتباره منتوجا أدبيا إنسانيا متضمنا لعنصرين مترابطين أو منفصلين، هما: عنصرا المضمون والشكل. والمضمون والشكل، كما درجت الدراسات النظرية والنقدية، قد يكونان ملتحمين إلى حد الذوبان والتماهي، فيعطيان بنية نصية تكون نتاجا للفاعلية الشعرية من جهة، ومن جهة أخرى تعبيرا عن رؤية متكاملة للعالم، تجسد الأفكار والأحاسيس والعواطف والمقاصد. وحين يصل النص الشعري إلى هذا المستوى من الخلق، يصبح معبرا عن الرؤية التي تتجسد في إطار العصر. ويصبح أيضا نصا محايثا للعصر. بمعنى آخر، هذا هو النص الذي يمكن الالتفات إليه واعتباره نصا بكل ما في الكلمة من معنى.
وفي حالة انتفاء التجانس بين المضمون والشكل، نكون أمام نص فاقد لمعناه، نص لا يمكنه البتة أن يمتلك الفاعلية الشعرية التي هي من أكثر الفاعليات التصاقا بالخلق الأدبي، وبروح الإبداع الحي، وبدواخل الانسان المفعم بالقيم. ولا يمكنه أيضا أن يعبر عن رؤيته للعالم لسبب بسيط وهو افتقاده لأسباب وجوده هو.
وفي مثل هذه الحالات، نكون أمام نصوص لغات، لا مضمون لها، أو أمام مضامين لا لغات لها. وبالمفاهيم اللسنية نكون أمام دوال بدون مدلولات، أو أمام مدلولات فاقدة للدوال. ومثل هذا النوع من النصوص الشعرية وإن كانت تجد المنابر والمطابع التي تروج لها على نطاق واسع، لا يمكن أن تصمد طويلا أمام الذائقة الفنية.
دوائر الشعر: النماذج الشعرية الأربعة:
وإذا تصفحنا ما وصلت إليه النماذج الشعرية العربية التي امتلكت أصولها وقواعدها الشعرية، أي شروط وجودها وانوجاده وموقعها، فإننا نستطيع أن نميز في هذه النماذج الناضجة والمعبرة بين عدة مستويات من التعبير الشعري، قياسا لنماذج الوعي الفني والوجودي الذي يمتح منه شعراؤها باختلاف مشاربهم. ومن بين هذه النماذج يمكن أن نؤكد على أربع منها:
1- الشعر التقليدي العام ويقابله الشعر التقليدي الإيماني.
2- الشعر الحديث العام ويقابله الشعر الحديث الإيماني.
وكأمثلة على ذلك، يمكن أن نستشهد بالنماذج التالية:
1- نموذج الشعر التقليدي العام، ونمثل له بقصيدة يا دجلة الخير[3] للشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري التي يقول فيها:
حييت سفحك عن بعد فحييني يا دجلة الخير، يا أم البساتيـن
حييت سفحك ظمآنا ألوذ بـه لوذ الحمائم بين الماء والطين
يا دجلة الخير يا نبعا أفارقه على الكراهة بين الحين والحين
2- نموذج الشعر التقليدي العام ، ونمثل له بقصيدة الله والعقل[4] لشاعر العراقي الكبير أحمد الصافي النجفي التي يقول فيها:
إذا طغى العقل على ربــه فالعقل معناه هـو الجهــل
يعترض العقل على خالــق من بعض مصنوعاته العقـل
إن بان فضل العقل في صنعه فصانع العقل لـه الفضــل
عبدتــه لم أدر ما كنـهـه والجزء هل يعرف ما الكل
لم أدر إلا أنه خـالقـــي وأنني لشمســه ظــــل
3- نموذج الشعر الحديث العام، ونمثل له بقصيدة لم يتغير شيء[5] للشاعر العراقي سعدي يوسف، التي يقول فيها:
لم يتغير شيء
ما زال أبي يكدح بين النخل وماء المدرسة،
الناس يقولون...
ولكني أعرف نفسي خيرا حتى من نفسي،
مثلا:
أنا أعرف ما لا تعرفه الصحف المأجورة،
أو أني أعرف أن أتأمل في الشاطئ
أعرف أني أعرف أن أتأمل في ذرات الرمل
وفي ما يقذفه البحر، قواقع أوعشبا
أو أسماكا ميتة،
.........
........
...........
لم يتغير شيء.4- نموذج الشعر الحديث الإيماني ونمثل له بقصيدة صلاة إلى أرض الأفغان[6] للشاعر المغربي حسن الأمراني، التي يقول فيها:
حملوا لك هذا الوباء-الوبال
رشقوك بنصل السموم
وعز عليهم بقاؤك
خارج دائرة الاشتعال.
أنت تشتعلين؟ فمرحى إذن.
ذاك أن اشتعالك درب إلى النور
أذكر إذ أنت عاشقة لاجتياز المسافات
عاشقة للتغرب تحت المطر
حططت الرحال
وعانقت صاحبك العربي.
بباريس في ﴿عروة﴾ لا انفصام لها.
دراسة ديوان ﴿بؤرة الروح﴾:
بعد هذه الملاحظات الأولية التي طرحنا فيها تصورنا عن الشعر العربي، وهو التصور الذي قد يكون شخصيا، وقد يكون قابلا للمناقشة والتصويب، أسمح لنفسي بأن أدرج ديوان بؤرة الروح للشاعر الأردني الكبير علي الكيلاني في جزء كبير منه، إذا تجاوزت القصائد النقدية القادحة في شخصيات شعرية نكن لها كل الاحترام من أمثال محمد مهدي الجواهري الذي أخذ نصيبا لا يستهان به من القدح، ضمن ما أسميته بالنموذج الشعري الإيماني الذي يقوم على أسس عقدية إيمانية واضحة، ويجسد رؤية إيمانية لا تخطئها عين الناقد المتفحص.
وقبل أن ندخل إلى عالم الشاعر علي الكيلاني الإيماني، يجدر بنا أن نعطي ولو لمحة مختزلة عن هذا الديوان، وسنبين من خلال ذلك جليا أن بؤرة الروح يضم قصائد أخرى عديدة لا يمكن إدراجها ضمن الرؤية الإيمانية، ولعل ذلك يبرز بوضوح أن الشاعر، وهو في غفلة عن عالمه الإيماني الذي ينشده، وهو يعيش أيضا دوامة الحياة الدنيا بمتاعبها وإشكالياتها، يجد نفسه وسط الجموع الغفيرة المشكلة من العامة، مثله مثل الذوات الحية الأخرى، مغموسا في طين اليومي ومهاترات اليومي. هذا ما تؤكد عليه القصائد التي رأيت أنها لا تنتمي إلى عالم الرؤية الإيمانية، باندراجها ضمن النموذج الشعري التقليدي العام.
ومن خلال النظرة السريعة، يبدو أن ديوان بؤرة الروح، الصادر في 304 صفحة من القطع الكبير، يتضمن القصائد التي اختار الشاعر أن تكون فيه. فهو يفتتح بمقطع شعري بعنوان من أنا؟، وبإهداء ومقدمة وهي عبارة عن مجموعة من الآراء الفكرية والنقدية تؤكد كلها على أهمية الديوان، وبقصيدة بعنوان من أين أبدأ؟ . هذا الجزء الذي جاء في 26 صفحة، أعتبره مجموعة من العتبات النصية تمارس حوافز تستفز على القراءة، وتشير إلى مرجعية الشاعر الإيمانية، وتغري باكتشاف النسق الشعري في الديوان.
عتبات بؤرة الروح:
نستطيع أن نؤكد أن كل نص له عتبات، حتى وإن كان العمل الأدبي خاليا منها. والعتبات في الكتابة الشعرية لها من الأهمية ما يجعلنا نضيفها إلى الكتابة الشعرية نفسها، ولها من الأهمية أيضا ما يجعلها تشكل المفاتيح والمداخل لقراءة النص الشعري. وفي حالة ديوان بؤرة الروح فمن الجلي أن عتباته كثيرة، وهي من الدلالة بمكان، ما يجعلها تغنينا عن قراءة النصوص ذاتها. ومن الجلي أن لوحة الغلاف والإهداء، والمقطع الشعري ﴿ من أنا؟ ﴾ الموضوع في صدر الديوان، والمقدمة التي قدم بها الشاعر لعمله، كل ذلك من الأهمية بمكان في عملية قراءة النصوص وفهمها وتأويلها. بل إن فهم الديوان أو تعمق محتوياته يمر أولا من فهم وتعمق هذه العتبات.
وبالنسبة لغلاف الكتاب، فالملاحظ أنه يتضمن العنوان بؤرة الروح، وهما كلمتان لا ثالث لهما، مضاف ومضاف إليه. أما اللوحة فهي مكونة من منظرين: منظر أرضي وآخر سماوي، تفصل بينهما عين كبيرة مفتوحة تتوسط الغلاف. والملاحظ أن المنظر الأرضي يميل إلى القتامة والسواد، وأن المنظر السماوي يميل إلى الاحمرار. والملاحظ أيضا أن وجود غيوم أسفلها يميل إلى اللون الأسود، والقسم الأعلى منها يميل إلى الاحمرار. ولا شك أن هذه اللوحة من خلال تكوينها ومكوناتها، تحيلنا إلى جانبين من الحياة: الحياة الدنيا ﴿ المنظر الأرضي ﴾ والحياة الأخرى ﴿ المنظر السماوي ﴾. ولا شك أن لون اللوحة، أو على الأصح لوني اللوحة ﴿الأسود والأحمر﴾ يضيف دلالة أخرى إلى الديوان.
أما العتبة الثانية، فهي المقطع الشعري المفتتح للديوان: من أنا؟ وهو المقطع الذي يقدم الشاعر كما يرى هو نفسه، وكما يمكن أن نراه نحن من زاوية النظر الإيمانية. فهو العبد السيد، وليس السيد العبد، العبد لله والسيد في الحياة، وليس السيد لنفسه والعبد للحياة والشهوات.
أما الإهداء فهو عتبة ثالثة. والشاعر هنا لا يهدي الديوان لشخص ما يكن له المودة والاحترام، ولا لقريب من الأقرباء تربطه به أواصر أو وشائج القربى، ولكنه يهديه "إلى الصفوة من أبناء الأمة، هؤلاء الذين ملأت الحقيقة نفوسهم والحق قلوبهم.. الذين يشقون طريقهم في الظلمة الحالكة..." وهذا معناه أن الشاعر يختص فئة معينة من فئات الناس بإهدائه، وليس الكل، هي فئة المؤمنين الذين يتوجهون إلى الله تعالى صباح مساء.
أما المقدمة فهي بدورها عتبة رابعة، تؤكد على أهمية الكلمة، والكلمة الطيبة على وجه الخصوص، تلك الكلمة التي ورد فيها قوله تعالى " مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة".
والكلمة الطيبة، في نظر الشاعر ومفهومه، هي الكلمة الفاعلة التي تعكس صورة حقيقة الإنسان لا ظاهره، وتكشف ما تنطوي عليه نفسه من مكنوناتها. وهي الكلمة الصادقة، أي الكلمة الموقف، إذا نطق بها الإنسان كان مسؤولا عنها، وإذا سجلها بقلمه ويراعه كانت مسؤولية أعظم. وهي الكلمة الأمانة، وكما قال تعالى:" إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان". والكلمة الشعر أبعد التعبير أثرا وأعظمه خطرا.
لا مراء إذن إذا قلنا بعد كل هذا، أن كل ما ييسر لنا الطريق إلى ديوان بؤرة الروح، هو هذه العتبات من الإيمان القوي الذي لا يتزعزع من أثر أي مزعزع. ولا شك أن الشاعر وهو يفتتح بها الديوان، حتى وإن لم يكن من وراء بسطه أمامنا هدف يقصده، فهي تؤشر لنا على دلالة الديوان الإيمانية، وعلى توجه الشاعر الذي لا يرى في الخلق الشعري مجرد تعبير وكفى، وإنما يرى أنه رسالة حملها الإنسان، لينبه ويوجه، وليؤسس وليبني.
بناء ديوان بؤرة الروح:
علاوة على هذه العتبات التي أشرت إليها للتنبيه على أنها من الأهمية بمكان، لأنها تشكل مفتاحا لما سنقرؤه في الديوان، يضم الديوان سبعة أقسام، ولا شك أن الرقم سبعة له من الدلالات ما يجعلنا ننتبه إليها.
أما الأقسام السبعة فقد جاءت كما يلي:
o نفحات إيمانية، وتتشكل من مجموعة من القصائد الإيمانية بامتياز،
o مشاعر إنسانية، وهي الأخرى تتضمن قصائد ذات رؤية إيمانية، وأخرى تنبع من رؤية إنسانية.
o شجون وطنية، وهي قصائد في الوطنية.
o وجدانيات وغزل
o رثاء وتعزية
o نقد وتصويب
o نفثات.
ويتبين من خلال تتبعنا لقصائد هذه الأقسام أنها جاءت قصائد متباينة الأغراض والموضوعات والأشكال، بل ومتباينة في التوجهات والآراء التي يعبر عنها الشاعر. بل والأكثر من ذلك أنها تخلق عند القارئ نوعا من البلبلة والحيرة إزاء بعض التناقضات الفكرية المتعارضة النابعة عن تقييم الشاعر، ولعل مرد ذلك إلى وقوع الشاعر في بعض الأحايين أسيرا لنظرة انفعالية، هي ربما متأتية من مرارة الواقع الذي يعيشه ويعايشه.
وإذا كان هذا هو تقييمنا لقصائد الشاعر في بعض جوانبها، وهو تقييم لا ينقص لا من تجربته الإبداعية أو تجربته الإيمانية التي عبرت عنها قصائده في مجموعها، فإن قصائد القسم الأول من الديوان، نفحات إيمانية، جاءت لتجسد رؤية الشاعر الإيمانية، ولتعبر عن إمكانية خلق بناء شعري إيماني، يهدف إلى غرس الروح الإيمانية في قارئ الشعر العربي. ومن هنا فالذي يهمنا أن ندرسه قبل غيره هو هذا الدفق الإيماني الذي ميز به الشاعر نفسه، وتميزت به قصائده عن قصائد غيره من الشعراء. ولذلك فإضافة إلى قصيدتين من مشاعر إنسانية، يأتي في أولوياتنا، هذا القسم الذي بدا لنا أنه يغمره الإيمان القوي بالعظمة الإلهية المتجسدة في عظمة الكون وخالقه، هذا الإيمان الذي يتكشف من خلاله ضعف الإنسان وهشاشته أمام هذه القوة المتأتية من الله عز وجل.
وتضم قسم نفحات إيمانية القصائد الثلاثة أما الرابعة والخامسة فهي من مشاعر إنسانية:
1- بؤرة الروح، ص 29/ص46.
2- نشوة الروح، ص 47/ص52.
3- هجرة الروح، ص53/ص64.
4- زنزانة الروح، ص88.
5- صدى الروح، ص110.
وفيما يلي لمحة وجيزة عن هذه القصائد:
1- بؤرة الروح: وهي تعبير عن موقف الإنسان الذي يؤمن بالله تعالى، وبحقيقة الوجود المؤدي إلى يوم الحساب.
2- هجرة الروح: وهي تعبير عن موقف الإنسان المؤمن بربه، فيها يتجلى الموقف الإيماني بأجل صوره، وفيها يعبر الشاعر عن نفسه المطمئنة بقدرها، والساعة إلى ملاقاة ربها.
3- نشوة الروح: وهي تعبير عن موقف الشاعر الذي يجد نفسه في موقف من أسمى المواقف الوجودية، ساعيا إلى ربه، مؤديا مناسك العمرة. والشاعر يقف بإجلال وخشوع أمام عظمة وقدسية المكان الذي تجلله أجواء الخشوع والرهبة، وهو يبث لواعجه وأشجانه.
4- زنزانة الروح: وتتشكل من مجموعة من القصائد الإيمانية، هي على التوالي: نداء: وهي كلام الروح السجينة في البدن. أعراض: وهي تعبير عن حدود البدن، وتحقق التوازن بين الروح والبدن الذي يؤدي إلى سعادة الإنسان. تعرية: وهي كشف عن حقيقة الإنسان. تجلية: وهي تأمل في الله وخلقه لمكونات الإنسان من قلب ونفس وعقل، الذي هو في حقيقته تكريم للإنسان... ثم هناك عناوين أخرى، مثل الإنسان، والطين، وحول، هباء، مهين، وكلها مقاطع حول الإنسان وأحواله المتغيرة التي قبل أن تنتهي بالموت تمر بمراحل قوة، واستقواء، ومحن وتشك.
5- صدى الروح: وهي قصيدة يتحدث فيها الشاعر عن الذات، ذاته هو أولا، ويتأمل فيها حياته وأعماله، ويتأسف فيها عما حصل فيه من تغير وتبدل:
كنت في عشي هزارا أتغنى للحياة
للهدى للنور للحب شجي النغمات
كنت أشدو بالأماني فتهاوت أمنياتي
ولعل أهم ما يوجد في القصيدة هو تلك الأبيات التي خصصها الشاعر للحديث عن تأديته لمناسك الحج، وما انكشف من مشاعر الإيمان وهو يقف ذلك الموقف في ذلك المكان المقدس الطاهر.
" بؤرة الروح" نموذجا للرؤية الإيمانية:
إذا انتقلنا من النظرة الشمولية لديوان بؤرة الروح الذي يحق لنا أن نعتبره من الشعر القوي لغة وأخيلة وصورا وتركيبا، لنتصفح نموذجا دالا من قصائده، وهو يتجسد في نظرنا في قصيدة بؤرة الروح الذي سمي الديوان باسمها، فإننا لا محالة واقفين على أهم ما يتميز به الشاعر علي الكيلاني كشاعر مبدع أولا، وكشاعر يحمل قضية تقض مضجعه وهي قضية الإيمان، وكشاعر يتواصل مع جمهور متذوق للشعر. ولا شك أن كل من سيقرأ بؤرة الروح سيقف على حقيقتها كقصيدة تمثل إحدى الشجرات الشعرية العالية القمة التي تنضاف إلى إلى شجرات الشعر العربي الرصينة والقوية والمتماسكة.هذه حقيقة لا نشك في صدقها. فالقصيدة مبنية وبشكل مترابط على شكل القصائد الأخرى، في شكل قصائد تتالى وهي ترسم بناء شامخا من التشكيل الشعري الأخاذ، والرؤية الإيمانية الصادقة.
وتتكون بؤرة الروح من سبع قصائد هي: جلاء، هيمنة، سراب، الحق، البؤرة، الحقيقة، إنابة.
فجلاء، تعبير عن موقف المتسائل الذي يخضه وجوده في مجتمع يعيش غريبا عن قيمه الأصيلة، فتنطرح عليه تلك الأسئلة الصعبة التي لطالما رددها الفلاسفة والمفكرون، من قبيل: إلى أين السفر؟ وهل لدينا ما يشفع لنا عند ربنا؟ وكيف نمضي خلف من لا يرتجى؟....الخ.
وهيمنة، تعبير عن موقف من يعود إليه وعيه الإيماني في وسط لا إيمان له أوفيه، رغم العلامات المؤكدة والمثبتة لوجود خالق أقوى.
وسراب، تعبير عن موقف من الإنسان الفاقد للوعي الإيماني، الإنسان الذي يجري وراء مصير لا يعلمه.
والحق، تعبير عن موقف من الإنسان الذي يعتبر، لكنه مع ذلك يتبع غيه.
والبؤرة تعبير عن موقف نهاية الإنسان، وهي نهاية الموت المحتوم، والقدر الذي لا مفر منه.
والحقيقة تعبير عن طبيعة الوجود البشري، هذا الوجود السراب الذي يلفنا بغلالاته وحجبه المتكاثفة.
والإنابة تعبير عن أمنية يتعلق بها الشاعر وأي إنسان أيما تعلق، وهي أمنية عودة الإنسان إلى الوعي بذاته وبوجوده وبخالقه.
ولا شك أن هذه القصائد السبع ﴿ ربما قياسا على المعلقات السبع﴾ تصب في مجرى واحد، هو المجرى الإيماني الذي يحتفي به الشاعر أيما احتفاء. وهي بلا شك تمثل "خلاصة التجربة الحياتية والشعرية للشاعر علي الكيلاني، بما يعتمل فيها من أفكار عميقة ومعاني سامية وصور أخاذة وعبر دالة وحكم بليغة، نراها ونحن نطالع تلك البؤرة التي من خلال شفافيتها ورقة جلائها وجلالها وصقلها نرى تلك الروح الإنسانية المعذبة والتي رغم رقتها اللامحدودة تحمل على كتفيها بل على جناحها شعرها من هموم العالم وأحزانه ما تنوء به أشم الجبال"[7].
إن قصيدة بؤرة الروح والقصائد الأخريات التي أشرنا إليها، هي أقصى درجات الحس الإيماني التي يحاول شاعر أن يوزعه على قصائده. ولعل من يقرأ هذه القصيدة وأخواتها من قصائد الديوان الأخرى، يدرك بأنها نغم إيماني متواصل، وفيض من الروح الأمينة على رسالتها في الحياة، الصادقة مع أمتها والفاتحة لآفاق رحبة أمام عودة الوعي للشعر العربي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] نص المداخلة التي ألقيت في ملتقى الأدب الإسلامي الأردني في المغرب تحت شعار: "نحو رؤية أدبية حضارية" من 23 جمادى الأولى إلى 3 جمدى الثانية 1427هـ الموافق لـ 20 يونيو 2006م المنظم من رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
[2] للمزيد من الاطلاع على حياة الشاعر انظر كتاب: حسن علي المبيضين، علي فهيم زيد الكيلاني: حياته وشعره،2005.
[3] محمد مهدي الجوامري،يا دجلة الخير، من كتاب قصائد من الشعر العربي في العراق، إعداد ماجد الحكواتب، مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين، مطابع الملك، الكويت 2004 ، ص 127.
[4] أحمد الصافي الصافي النجفي، الشلال دار العلم للملايين، بيروت1962 ، ص37.
[5] سعدي يوسف، لم يتغير شيء، الأعمال الشعرية، الخطوة الخامسة، دار المدى2003، ص 93.
[6] حسن الأمراني، الزمان الجديد، مطبعة النجاح الجديدة، الرباط 1988، ص85.
[7] علي مصطفى الدلاهمة، ديوان بؤرة الروح، ص 13.

المشهد الشعري في المغرب: من التأسيس إلى التساؤل 1

المشهد الشعري في المغرب: من التأسيس إلى التساؤل( 1)
بقلم: د.عبد الرحمن بوعلي


"إن ما يؤدي إلى الشعر هو طريق التجاوز"
إيمي سيزار

علينا أن نعترف منذ البداية أن محاولة تقريب المشهد الشعري في المغرب هي من الأمور التي لا يمكن الحسم فيها، ذلك أنها مهمة تقوم على أساس التراكمات الإبداعية والنقدية. وعلينا أن نقول إن هذه المحاولة بالرغم من أنها تصدر عن موقف شخصي، تحاول أن تشخص الواقع الشعري بالمغرب الزاخر بالتجارب الشعرية الجديدة، والمسكون بالأسئلة المقلقة والحادة. فهي إذن محاولة تتغيى إبراز الصور في مختلف مظاهرها وتجلياتها. وسنعمد في ذلك على مفهوم أساسي ومحوري هو مفهوم "الأجيال".
1- في تاريخ المشهد الشعري:
عندما تأسست حركة الشعر الحديث أو الحر في المشرق العربي، على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وغيرهم، كان لزاما عليها كي تنجح، أن توجد امتدادا لها في كل الأطراف العربية، وكان المغرب أحد هذه الأطراف التي استقبلت هذه الحركة بابتهاج شديد. ولذلك فقد تضافرت كل العوامل في بداية الاستقلال -1956- وقبله بقليل، لكي تدفع النخبة المثقفة للخروج من النموذج التقليدي والرومانسي، كما أن إرادة هذه النخبة في تجريب أساليب الكتابة وتطويعها كانت أكبر من كل المثبطات والإكراهات التي أحاطت بها في ظروف لم تكن تسمح بحرية التعبير. وقد كان ذلك في سنوات الخمسينات، حين كانت المقاومة الشعبية تصفي حساباتها مع الاستعمار الأجنبي، وحين كانت طلائع المثقفين تشارك في تأسيس الثقافة الوطنية.
ولعل حركة شعرية كهذه، في قوتها وعنفوانها، وفي مشاهده الظاهرة والخفية، ما كان لها أن تصير حركة بهذا الحجم إلا وهي تجتذب إليها المريدين تلو المريدين، فكان انتظامها في أجيال متتالية سببا في امتدادها ونجاحها. وربما جاز لنا أن نسلك مساربها ومنعرجاتها، بل وإخفاقاتها ونجاحاتها، في الأجيال التي تعارف عليها النقاد، والتي أصبحت تشكل اليوم المشهد الشعري العام في المغرب.وهي جيل الرواد الذي عرف بجيل الستينات، وجيل الوسط الذي أطلق عليه جيل السبعينات، وأخيرا الجيل الجديد أو جيل الشباب والذي أطلق عليه جيل التسعينات.
ومن الناحية النظرية يقوم هذا المشهد الشعري على تنامي النماذج الشعرية في خط طولي، وكأن هذا التنامي لا يتحقق عبر تراكب وتفاعل التجارب، وقد يخيل للباحث أن القطيعة هي قاسمه المشترك وأقنومه الظاهر، وأن السلسلة ما تفتأ تتواتر حتى يظهر شيء جديد يعكر صفو التواتر ويقصف الامتداد.
ولفحص هذا المظهر الذي أشرنا إليه ينبغي أن نقوم باستحضار هذه الأجيال وبتتبع الخصوصيات الموضوعية لكل جيل وسماته الأكثر بروزا.
ولتكن البداية من جيل الرواد.
2- جيل الرواد أو جيل الستينات:
تنفتح دورة المشهد الشعري بالمغرب بجيل الستينات، وهو الجيل الذي كان يوم مقام جيل الرواد في المشرق العربي، من أمثال بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي وغيرهم.. ويتشكل هذا الجيل من مجموعة من الشعراء أبرزهم أحمد المجاطي المعداوي، ومحمد السرغيني ومحمد الخمار الكنوني... وجميعهم بدأوا الكتابة الشعرية والنشر في الجرائد والمجلات باستيحاء. وواصلوها خلال عقود الستينات والسبعينات والثمانينات، وبعضهم لا زال يواصلها حتى اليوم كما هو الحال بالنسبة للشاعر محمد السرغيني....
ويشكل الشاعر أحمد المجاطي - المعداوي أحد أعمدة القصيدة المغربية الحديثة، بل ويشكل أحد الذين يعود إليهم الفضل في ترسيخها ترسيخا فنيا عاليا، وفي إثارة النقاش حول راهنها وراهن القصيدة العربية الحديثة، ذلك أنه كان طرفا في النقاش الذي دار بينه وبين بعض نقادها ومنظريها الكثيرين، وأطروحته حول "ازمة الحداثة" [1] خير دليل على ذلك. أما فيما يتعلق بصراعه الثقافي مع محمد بنيس [2] فيعود إلى اختلاف في وجهات نظرهما حول الشعر، وفي تقييم كل منهما للمسألة الشعرية في المغرب، فبينما كان بنيس يدعو إلى الخروج الكلي عن القصيدة- النموذج، القصيدة السيابية كما ترسخت، ساند المجاطي فكرة ارتباط الشعر العربي بالتراث. وأما فيما يتعلق بمشاركة المجاطي في النقاش العام حول إشكالية الحداثة الشعرية العربية فلا شك أن كتابه الصادر حديثا تحت عنوان "أزمة الحداثة في القصيدة العربية" لخير دليل على انخراط هذا الشاعر في تحليل الوضع الشعري العربي، وعلى تحسسه اليقظ لمشكلاته وعلى امتلاكه للأداة النقدية وللرؤية الموضوعية. وهو بذلك شكل ظاهرة من أهم دلالاتها أن الشاعر الحديث لا يمكن أن تتغلب عليه أية يقينية مهما بلغت قوتها.
وفي الميدان الشعري، أي في ميدان تجربته الشعرية، برز الشاعر أحمد المجاطي شاعرا متميز الأسلوب، صافي اللغة، متمكنا من الكتابة والهندسة الشعرية، وهو الانطباع الذي يمنحه ديوانه الوحيد "الفروسية" الذي ظهر بعد أكثر من ربع قرن من خوضه لغمار التجربة الشعرية. والذي اعتبر ولا يزال، بالرغم من كونه لم يشمل إلا قصائد قليلة من أعماله، أحد أهم الأعمال الشعرية، ليس على صعيد التجربة المغربية، بل على صعيد التجربة الشعرية في العالم العربي. ولعل رصانة تجربة الشاعر أحمد المجاطي-المعداوي التي ترسخت وتكرست في هذا الديوان، هي التي جعلت ناقدا من وزن محيي الدين صبحي يقول فيه:" لقد ظفر الشعر العربي الحديث من ديوان المجاطي بحلقة جديدة في السلسلة الذهبية التي شكلها جيل الرواد في الخمسينات، فبعد السياب والبياتي وخليل حاوي يتبوأ الشاعر أحمد المجاطي مكانته بين رواد الشعر العربي الحديث الذين طوروا الأداء واللغة الشعريين بالعربية. أما بالنسبة لشعراء المغرب العربي في السبعينات والثمانينات، بين القاهرة والجزائر فهو رأس الطليعة التي تستحق لقب شاعر"[3] .
أما السرغيني، فلا شك أن موقعه الاعتباري كشاعر داخل الخريطة الشعرية المغربية، وريادته المتواصلة والمؤكدة التي لا لبس فيها، تجعلانه هو الآخر، واحدا من الذين كانت بصمتهم واضحة. ولا شك أن قامته الشعرية التي تسامت وقامات شعراء القصيدة العربية الحديثة الكبار، بل ومنحتع فرادته التي لا يشك أحد فيها، جعلته من الذين طبعوا المشهد الشعري في المغرب بطابعه الخاص. ومن دون شك فإن ديوانه "وسيكون إحراق أسمائه الآتية" الذي جاء متؤخرا من حيث الزمن، مثل ديوان المجاطي السابق الذكر، وكذلك دواوينه التالية له "جبل قاف" و"الكائن السبئي" و"من فعل هذا بجماجمكم؟"، إن هي إلا أدلة قاطعة على كون السرغيني من الأسماء التي شكلت علامة بارزة في الشعر المغربي الحديث.
ويعتبر محمد الخمار الكنوني ثالث الشعراء المنتمين إلى فترة الستينات، وهو الشاعر الذي رغم ثقافته التراثية ساهم في وضع أسس القصيدة المغربية. فديوانه الوحيد "رماد هسبريس" يمكن النظر إليه كعلامة مضيئة في تاريخ الشعر المغربي والعربي، ذلك أن الملمح الغالب عليه متانة اللغة، ووضوح المعنى وإحكام البناء. ولأن الشاعر محمد الخمار الكنوني من الشعراء القلائل القابضين على نار الشعر وجذوة الإبداع، فقد شكلت قصائده نماذج هامة. ولعلنا لن تخطيء إن نصوصه ونصوص محمد السرغيني وأحمد المجاطي، حتى وإن لم يلتفت إليها النقاد كثيرا، نصوص تشهد على تاريخيتها وتشهد عليها جسارتها وجماليتها.
ولعل أهم ما يمتاز به هؤلاء الشعراء كونهم عبروا تعبيرا دقبقا على مرحلة عاشوها، وأنهم عكسوا تصوراتهم الفكرية والجمالية في أشكال تعبيرية قدر لها أن تصبح نماذج مقترنة بأصحابها دالة عليهم، وبتعبير آخر فإنهم شكلوا إلى جانب شعراء آخرين من أمثال عبد الكريم الطبال، ومحمد علي الهواري، ومحمد الميموني، وأحمد صبري، وغيرهم.. الثالوث المؤسس لحركة الشعر الحديث في المغرب، وإليهم يرجع الفضل في ترسيخ هذه الحركة الشعرية، بل ويعتبرون أساتذة للأجيال التالية لهم.
وإذا كان البعض من النقاد والمنظرين لحركة الشعر الحديث في المغرب قد أجهزوا على تراث هذا الثالوث لأسباب قد نعرف بعضها، فإن ذلك لم ينل مما قدموه للحركة الشعرية في المغرب. ولئن قيل في هذا الصدد إن رؤيتهم كانت رهينة "السقوط و الانتظار"[4] وذلك إشارة إلى محدودية أفقهم، فهل معنى ذلك أن في الإمكان إلغاء تجربتهم؟ لنقل إن الرؤية في شعر هؤلاء هي رؤية "سقوط وانتظار"، أو لنقل إنها رؤية "كارثية" على حد تعبير الناقد محيي الدين صبحي [5] ، أو لنقل إنها رؤية مهزومة نالت من هزيمة حزيرا/يونيو 67 نصيبها واكتوى أصحابها بنارها، فما الذي يغير من طبيعة شعرهم المتميز والحارق؟ ثم أليسوا هم من الجيل الذي فتح عينيه على بنادق المستعمر وعلى ضياع فلسطين وعلى انسداد الأفق وعلى الهزائم المتتالية في عصرنا الحديث؟ أليسوا هم الجيل الذي خرج للتو من إرهاصات نهضة مكسورة ومنكسرة ومن بدايات استيقاظ ناقص لم تمهله تطورات العصر ليكتمل؟
إن الذي لا شك فيه أن هؤلاء الشعراء الكبار ليسوا أشباحا ولا ملائكة. إنهم بشر عبروا عن طموح الإنسان إلى أن يخرج من النفق المسدود، ولم تكن رؤيتهم هذه إلا تجسيدا لهمومهم وانعكاسا لمعيشهم، وبذلك أقاموا الحجة على أن الشعر منبعه الوجود، وأن الإنسان -العادي والمبدع- إنما هو نتاج لهذا الوجود الموجود، وأن الحداثة الشعرية إن كان لها من معنى فهو أن تعبر عن عصرها الموتور والخائب.
ومجمل القول أن مرحلة الستينات كانت مرحلة تأسيسية هامة، فتحت للتجديد آفاقا ورؤى وتطلعات، سيتحمل مسؤولية مواصلتها وتحقيقها الجيل التالي، وهو جيل آخر من الشعراء أطلقت عليه تسمية جيل السبعينات.
يتبع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث، دار الآفاق الجديدة، 1993.
[2] محمد بنيس، "راهن الشعر المغربي" مجلة الفكر الديمقراطي العدد 2، 1988، ص 120 .
[3] محيي الدين صبحي، الدراسة الملحقة بالديوان، ص 170.
[4] محمد بنيس، "ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب"، دار العودة، 1989.
[5] محيي الدين صبحي، المرجع السابق،ص 169.

السبت، 1 مارس 2008

المغرب العربي بين الماضي والمستقبل ؟

المغرب العربي بين الماضي والمستقبل ؟
د. عبد الرحمن بوعلي

-1-
لازلت أتذكر وأنا في مقتبل العمر، في تلك المدينة الصغيرة الهادئة - مدينة أحفير- التي كان المستعمر يطلق عليها اسم (مارتان بري دي كيس)، لا زلت أتذكر تلك الوريقات التي كنت أجدها بين أوراق والدي والتي كانت تشد انتباهي إليها بسبب وجود صورة العلم الجزائري عليها. أتذكر أيضا أنني كنت أقلبها، وأنظر فيها، وأقرأ ما سجل عليها من كلمات، وكأن سحرا ما كان يشع منها ليشد انتباهي إليها كل ذلك الشد. لقد كانت تثير اهتمامي وتشعل في نفسي الرغبة والشهية في التعرف عن فحواها ودلالتها ومصدرها. وقد كنت أتساءل ما الغرض منها ؟ ولماذا توجد من بين أوراق والدي ؟ كنت في بعض الأحيان أتلمسها وأحاول أن أقرأ كلماتها ، فأتعرف على خطها الذي كان يشدني إليه بسبب لونه الفاحم وتعرجاته التي تحمل أكثر من دلالة.
-2-
في الحقيقة، لم تكن تلك الوريقات سوى تواصيل عن مساهمة والدي في دعم جبهة حركة التحرير الجزائرية في مسلسل كفاحها الوطني ضد المستعمر الفرنسي. حينذاك كانت الحرب بين الجزائر وفرنسا على أشدها، وكانت الأخبار التي تصلنا تؤكد أن المقاومة الجزائرية لم تكن تهدأ ، وكانت العمليات التي ينفذها المقاومون الجزائريون بمعية المغاربة تصل إلينا ، بل إننا كثيرا ما كنا – بحكم تواجدنا على نقطة التماس بين القطرين الشقيقين - نستيقظ مفزوعين على الأصوات المدوية لانفجار الألغام الأرضية عندما تدوسها أقدام المقاومين أو حتى الرعاة المغاربة الذين ينتشرون في ذلك الجبل العالي المطل بشموخ على البلدة الهادئة أحفير . وحينذاك كان المغرب قد توج نضاله الطويل بنيله الاستقلال وبدأ يخطو خطواته الأولى في اتجاه مرحلة البناء الوطني، وكانت تونس وليبيا في حالة تشبه حالة المغرب، أما موريطانيا فكانت بحكم التاريخ امتدادا للمغرب.
نعم لا زلت أذكر كل ذلك. وأنا الآن أتذكره بكل التفاصيل والعموميات وكأنه من وقائع الأمس القريب. الوقائع التي اختلطت بدقات القلب، ولا زلت أذكر الوقائع والأيام وكأن ما كنت أسمعه وأراه لم تبله الأيام ولم يؤثر فيه الزمن ولا تقلبات السياسات والتوجهات.
-3-
والآن، وقد مرت على تلك الأحداث أكثر من أربعين سنة وقرابة نصف القرن، هي عمر جيل الاستقلال الذي نهض من رماد التاريخ، و قد أصبحت جزءا من الذاكرة الموشومة وبعضا من التاريخ المشترك بين المغاربة والجزائريين فلم يعد ممكنا أن نبقى نراكم الأخطاء تلو الأخطاء. ومن الحتمي -ونحن نجد أنفسنا في زمن آخر بدأنا نطل من خلاله على القرن المقبل، وبدأت تنشأ رغبة عند الجميع بضرورة بناء المغرب العربي – أن يكون كل ذلك الماضي المشترك الدافع الأساس إلى الانخراط في ضرورة الإقبال على إحياء الدعوة إلى توحيد المغرب العربي من ليبيا إلى المغرب ومن المغرب إلى موريطانيا حتى يتجسد ذلك الحلم الكبير الذي ظل ولا يزال يعتبر من أهم أحلام الحركات الوطنية التي نشأت في أقطار المغرب العربي إبان فترات الاحتلال والعسف.
-4-
ولعل أسباب الوحدة والتعلق بتحقيق حلم المغرب العربي الكبير قائمة الآن أكثر من أي وقت مضى، فالعالم أصبح مثل قرية صغيرة تتناقل فيها الأخبار والمعارف والمعلومات عبر وسائط صارت أكثر من ضرورية.
إضافة إلى ذلك فالكيانات الصغيرة لم يعد لها وجود الآن، فالعصر للكيانات ذات الوزن الاقتصادي والعلمي والبشري، ولم يعد هناك مكان للكيانات القزمية وللدول المتخلفة التي تكون في حاجة إلى من يسندها ويدفع بها إلى الأمام. ثم إن الظروف الجديدة التي بدأت ترسم هامشا للحرية والديمقراطية وتخليق الحياة العامة، في المغرب الآن وفي الأقطار الأخرى قريبا، أصبحت هي الأخرى تفرض على المجتمعات أن تتكتل أمام التكتلات وأن تبادر إلى تنمية شاملة وأن تتقدم حتى تضمن مكانها بين الأمم المتقدمة.
وإذن فليس أمام الدول والمجتمعات والنخب المغاربية من مهمة أكبر ولا أخطر من مهمة بناء مغرب عربي موحد وقوي الآن وليس غدا، وما على النخب والأحزاب السياسية والمؤسسات العلمية والمجتمع المدني كله سوى البدء في وضع اللبنات الأولى، دون الخوض في الماضي، ودون مركبات النقص التي تنخرنا.
ويبقى السؤال: هل بالإمكان تجسيد هذا الحلم الكبير بعيدا عن كل الحساسيات المثبطة ؟

التراث السردي والقراءة العاشقة

التراث السردي والقراءة العاشقة
عبد الفتاح كيليطو نموذجا
[1]
عبد الرحمن بوعلي

مقدمة
يشكل البحث في التراث العربي وقراءته من المنظور الجديد إحدى المهام الأساسية التي يقوم بها النقاد العرب في سبيل بناء نظرية نقدية عربية. وهو (أي البحث في هذا التراث) إضافة إلى ذلك يعتبر من الخصائص التي تنفرد بها الفاعلية النقدية العربية. من هنا بات من الواضح أن يشتغل به عدد كبير من النقاد . غير أننا نلاحظ أن هناك تيارا من النقاد استطاع أن يبلور منظورا جديدا في دراسة هذا التراث، كما استطاع أن ينمي بحثه فيه بشكل جعله يؤسس مسارا جديرا في الدراسة والتأمل نظرا لغناه وقيمته المعرفية والنظرية والمنهجية . وجعله جديرا أيضا بالمساءلة والمناقشة نظرا لما يمكن أن يضيفه من إمكانات إغناء للنظرية النقدية وتوجهاتها في أدبنا العربي الحديث.
ويمكن ضمن هذا التوجه أن نتأمل تجربة الباحث عبد الفتاح كيليطو في قراءته للتراث الأدبي العربي والتراث السردي منه على وجه الخصوص، تلك التجربة التي تشكلت من مجموعة من الجهود العميقة والنبيهة ، مبلورة ما يمكن تسميته هنا بالقراءة النموذجية، أو القراءة المتفردة التي تنحو منحى متفردا في طرحها.
والواضح أن قضية العلاقة بين التراث وقراءته تكاد تكون قضية مركزية شغلت عبد الفتاح كيليطو، وما زالت تشغله بوصفه باحثا وناقدا. فقد تعاطى كيليطو لهذه الممارسة النقدية أكثر مما تعاطاها غيره من النقاد الآخرين، كما أفرد لها جزءا كبيرا من اهتماماته الأكاديمية، هذا عدا نشره لمجموعة من النصوص والكتب النقدية الهامة في هذا المجال، بدءا من "الأدب والغرابة" ، و " الكتابة والتناسخ" و"الغائب" والحكاية والتأويل والمقامات ولسان آدم ، والعين والإبرة ، ومتاهات القول ...، وكلها مؤلفات حملت معها هاجس الباحث نحو تأسيس لبنة في قراءة التراث، أضف إلى أنها شكلت منعطفا في تاريخ النقد العربي.
وتمتدّ الخيوط الرفيعة لهذا المنحى الذي نحاه كيليطو ، في هذه المؤلفات وغيرها ، حسب علمنا، إلى دراسته التي كان قد شارك بها في ملتقى القصة القصيرة بمكناس والمعنونة بـ "زعموا أن … "[2]. هذه الدراسة التي شكلت حينئذ طفرة نوعية في توجهات النقد العربي الحديث وفي مسار الناقد كيليطو نفسه، بحكم طليعيتها وأهمية محتواها المنهجي.
في هذه المداخلة سنحاول الوقوف عند أهم ما يؤسس هذا النوع من القراءة عند كيليطو ، مشيرين إلى ما تمثله من قيمة علمية ونقدية، بل وسلوكية ، علما بأننا سنقصر النظر على مؤلفين من مؤلفات كيليطو فقط، هما "الأدب والغرابة" و"الحكاية والتأويل".
عبد الكبير الخطيبي يقدم أثر عبد الفتاح كيليطو:
في البداية، يجدر بنا ونحن عند عتبة الدخول إلى عالم كيليطو العجيب والغني ، الرحب والمعقد، أن نصحب معنا ناقدا فذا آخر، يبدو أنه فهم المشروع النقدي والعلمي لعبد الفتاح كيليطو قبل أن يصدر كتابه "الأدب والغرابة"، وهو الناقد عبد الكبير الخطيبي الذي تكفل بتقديم كتاب كيليطو هذا المومأ إليه. والحق أن عبد الكبير الخطيبي بحكم اطلاعه على المناهج الطليعية في الغرب، وبحكم تمرسه الشديد على محاورتها ومحاولة نقلها من مجالها إلى مجال النقد العربي، وعلى الأقل في تجربته النقدية عن "الرواية المغاربية"، نجح في فهم خطاب كيليطو النقدي وفي موضعته في سياقه الحقيقي، وهو سياق النقد التجديدي والطليعي في المغرب.
إن أهم ما ألمح إليه الخطيبي هو أن خطاب كيليطو ليس خطابا تقليديا بالمعنى القدحي للكلمة، وليس خطابا استهلاكيا وسطحيا، وليس خطابا بلا هدف، إنما هو خطاب عارف بمجاله ومستوعب لإوالياته وميكانزماته لدرجة أنه وصفه بالخطاب [الأستاذي]. يقول الخطيبي: "ظاهريا، نحن أمام خطاب أستاذي متوفر على جهاز من المراجع والمصادر والمناقشات اللامنتهية بين أساتذة جديين جد متحذلقين في غالب الأحيان مما يجعلهم ينصتون إلى أنفسهم وهم يتكلمون بدون أن يقطبوا حواجبهم وكأنما العالم مسرح لندوة "[3] . وكما أن هذا الخطاب واع تمام الوعي بمشروعه، فإن كيلطو هو الآخر واع بما يتطلبه مثل هذا الخطاب. إن كيليطو كما يقول عبد الكبير الخطيبي " يعرف كل موضوعة من هذه الموضوعات [ يقصد موضوعات: الأدب، النوع، النص، تاريخ الأدب، السرد ..] بانتباه محترز، وبطريقة تدريجية. إلا أنه انتباه مصحوب بنوع من المكر النادر في مجال النقد الأدبي. فلكي يوجد هذا الأخير، يتحتم عليه أن يكون "نقديا"، أي أن يتمثل نظريات ومناهج التحليل، ومن جهة ثانية، يتحتم عليه أن يكون "أدبيا" وذلك باستبطان الأشكال الإستطيقية لتحليله حتى يتمكن ليس فقط، من الحديث عنها بدقة، بل من أن يصبح فنا للكتابة الخصوصية، وفنا متناصا، أي كتابة نقدية بالمعنى العميق" [4] . من هذا التوصيف المذكور للخطيبي، تبرز ناحيتان في عمل كيليطو: كون خطابه يتضمن الصفة [الأدبية] من جهة، وكونه يتضمن الصفة [النقدية] من جهة ثانية.
ومما ورد من كلام الخطيبي أيضا، نستطيع أن ندعي وجود هذا التفسير المتضمن لفكرتين أساسيتين مهيمنتين، الأولى تتعلق بالتكوين الخاص بالباحث كيليطو، وهو التكوين الأكاديمي العميق الذي أحرز عليه من خلال احتكاكه بالنقد الأوروبي بجميع اتجاهاته، خاصة ذلك النقد الذي اعتمد كأساس على النجاح الذي حققته البنيوية فلسفة ومنهجا وطرائق. ما يمكن أن يقال عن كيليطو في هذا الصدد أنه استوعب جوهر البنيوية من حيث هي طريقة في رؤية العمل الأدبي كعمل له بنياته وتجلياته وإوالياته الخاصة، كما أنه وظف هذا المنهج توظيفا جيدا ليطرح بديلا نقديا لا يقتصر على قراءة النص الأدبي الحديث المتصف بخصوصياته ، بل ويتجاوز ذلك النص إلى النص التراثي المتصف هو الآخر بخصوصياته. أما الفكرة الأساسية الثانية التي يحيل عليها كلام الخطيبي، فهي أن كيليطو وهو يسير في هذا المنحى الجديد استطاع أن يدشن مرحلة نقدية جديدة تتصف بكونها لا تكتفي بالقراءة المجردة التي تهدف إلى فهم الإنتاج الأدبي فحسب، وإنما تحاول جاهدة وبدرجة كبيرة من الوعي والدقة إلى تأسيس نوع بديل من الكتابة النقدية المؤسسة على ركائز علمية والمؤطرة داخل أطر معرفية والمتجهة إلى هدف بناء النص وفق شروطه المكونة له.
ليست الكتابة، والكتابة النقدية بالخصوص، عند عبد الفتاح كيليطو إذن بالأمر الهين أو السهل، ولذلك، فإن التعامل معها يتطلب بذل مجهود يكفي إذا جاز لنا التعبير لاستنطاق ما تخفيه شجرة النص النقدي عند كيلطو. وإذا كنا لا ندعي في هذه المداخلة المحكومة بزمنها تقديم قراءة شاملة لعمل كيليطو، ولن ندعي ذلك، فإننا نحاول أن نضيء بعض العتمات، ولتكن هذه الإضاءة محاولة أولية أو عتبة أولى بهدف تحقيق أمل منشود هو تحقيق قراءة في التجربة النقدية لعبد الفتاح كيليطو، ولتكن بدايتنا مركزة على توضيح بعض المفاهيم التي استعملها كيليطو من قبيل الغرابة أو السرد.
ولنبدأ بسؤالنا التالي:
ما معنى الغرابة عند عبد الفتاح كيليطو؟
كلنا يستحضر عنوان كتاب الأدب والغرابة الذي تمت الإشارة إليه آنفا، والذي أصدره كيليطو في سنة 1982 والذي اعتبر حين صدوره بحق المفتتح الرسمي لكتابة كيليطو التغييرية التي صبت في اتجاه تطوير الفاعلية النقدية . وإذا كانت عناوين الكتب تشكل عتبة أساسية في قراءة الأعمال ، فإن ورود كلمة الغرابة المليئة بالدلالة في عنوان كتاب كيليطو ليس مجرد صدفة . لقد وردت هذه الكلمة عدة مرات في مؤلفات كيليطو النقدية زيادة على ورودها كما أسلفنا في عنوان كتابه. وقد وردت في بداية افتتاحيته للكتاب عندما حاول كيليطو أن يفسر العلاقة بين قسمي الكتاب الأول والثاني، حين يقول: " كل دراسة مستقلة بذاتها وليست بحاجة إلى أن تستند إلى جاراتها. ومع ذلك يبدو لي أن مفهوم الغرابة يجمع هذا الشتات"[5]. كما وردت كذلك أكثر وضوحا في نهاية الافتتاحية حين يقول: " الشعور بالغرابة يتأكد عندما يتعلق الأمر بمؤلفات قديمة تحدها عتبة زمنية ليس من الهين اجتيازها. ما أكثر القراء الذين لا يبصرون العتبة فيتجولون في الماضي كما يتجولون في الحاضر، وما أكثر القراء الذين يقفون عند العتبة ولا يجرؤون (أو لا يبالون) باجتيازها، وما أكثر القراء الذين يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى ! على أي حال كلنا يعلم أن تحديد المستقبل مرهون بتحديد الماضي وتحديد الماضي مرهون بتحديد الغرابة "[6]. وقد وردت كلمة الغرابة كذلك في خاتمة دراسته الموسومة بـ "نحن والسندباد" التي تضمنها كتابه "الأدب والغرابة"، حين قال: " واليوم من ينكر أن السندباد ما يزال يخاطبنا عبر القرون وبسألنا عن علاقتنا بالعالم المألوف والعالم الغريب (الغربي)؟ لقد كثر حفدته على الخصوص منذ عصر النهضة (انظر على سبيل المثال الساق على الساق لأحمد فارس الشدياق وحديث عيسى بن هشام للمويلحي) وليس في الأفق ما ينبئ بأن عهد "السنادبة" قد انتهى. بصفة أو بأخرى كلنا اليوم، في العالم العربي، سندباد"[7] .
في نص آخر، وهو نص مأخوذ من كتاب الحكاية والتأويل جاء في نهاية دراسة " الجرجاني والقصة الأصلية"، تصادفنا لفظة الغرابة حين يقول كيليطو: " لا تعني الغرابة الشيء الذي لم تره العيون ولم تسمعه الآذان، إنها على العكس متعلقة بشيء معروف ومألوف، إلا أنه منسي ومدفون في أعماق النفس… في نهاية الأمر لا مفر من الإقرار بأن الغرابة، عند الجرجاني، ليست إلا الألفة نفسها" [8] .
ما الذي تعنيه لفظة الغرابة عند كيليطو؟ ما الذي يمكن أن نفهمه من لفظة الغرابة الواردة في سياق الأقوال السالفة لكيليطو ؟ قد نخطئ إن نحن فسرنا هذه اللفظة بمعناها الحرفي، أي معناها القريب الذي يتبادر إلى الأذهان في اللحظة الأولى التي نسمع بها هذه اللفظة. ذلك لأن لفظة الغرابة التي يستعملها كيليطو في اعتقادنا هنا، تشكل مرتكزا أساسيا لفهم الموقف النقدي لكيليطو، ولفهم كتاباته المتعلقة بالتراث، والتراث السردي على الخصوص. وهي لفظة متواترة ومرتبطة بالرؤية النقدية لكيليطو. وفي هذا الصدد، فإنه من الضروري التأكيد أن ورود هذه اللفظة له ما يبرره، سواء على المستوى الموضوعي / أي على مستوى موضوع التراث ككل، أو على المستوى الشخصي لكيليطو. فالتراث العربي في نظر كيليطو، بسبب اغترابه عنا قد لبس لبوس الغرابة بحكم بعده التاريخي عن الناس، وبحكم عدم الانتباه والالتفات إليه، ومما ضاعف غربة التراث هذه [أو غرابته] تضمنه لخصوصيته التي لا تأتيه فقط من مضمونه وأشكاله كما يرى النقد التقليدي، وإنما من خصوصية مخاطبه، وبالتالي من خصوصية نسقه كذلك كما سنوضح ذلك في النقطة التي ستلي. أما على المستوى الشخصي، فإن كيليطو يرى أن هذا التراث يجب أن يقرأ من زاوية أخرى تختلف عن الزاوية التي قرأ من خلالها النقاد الكلاسيكيون هذا التراث ، وهي الزاوية التي تنطلق من كونه تراثا، أي بعد وضع المسافة الضرورية لفهمه، وانطلاقا من رؤية نقدية معاصرة توظف فيها كل المناهج الحديثة والجديدة . ولعل هذا ما حاول كيليطو في الأدب والغرابة وفي مؤلفاته الأخرى توضيحه بكثير من الدقة وبقدر أكبر من الأسلوب "الفاعل" كما أشار إلى ذلك الخطيبي[9].
من الطبيعي جدا، ونحن نحاول الحديث عن المنهج النقدي عند عبد الفتاح كيليطو، أو بالأحرى نوع القراءة التي تعامل بها مع التراث، أن نطرح السؤال التالي: كيف تمظهرت قراءة النص الكلاسيكي؟
الأدب الكلاسيكي والقراءة:
نستطيع أن ندعي أن المشروع النقدي الذي دشنه كيليطو كان مشروعا يهدف إلى تجديد القراءة التراثية، أي إلى إعادة طرح السؤال حول التراث، بأدوات العصر المتاحة إليه. ومن هنا فقد طرح كيليطو موضوعة قراءة النص الكلاسيكي .ومما يدعم ذلك تخصيصه لدراسات طرح فيها رؤيته الخاصة في هذا المجال. ومن الدراسات التي ضمها كتابه الأدب والغرابة والتي حفلت بهذا الموضوع دراسته المعنونة بـ"دراسة الأدب الكلاسيكي/ ملاحظات منهجية ". يقول كيليطو: "الطريقة التي نتناول بها النصوص القديمة ترتكز على نمط وعلى تعريفات تختلف درجة وضوحها بحسب الباحثين. وعندما يتعلق الأمر بنصوص أدبية، فإن الباحث يعتمد طيلة عمله، سواء شاء ذلك أم كره، على تعريف للأدب وعلى مفاهيم تغيب أحيانا عن وعيه" [1]. ويقول في نفس الدراسة أيضا بعد أن يوضح بعض المفاهيم السائدة اليوم في الدراسات الأدبية العربية [10]، وبعد أن يبين خطأها : " المتكلم يوجه خطابا إلى مخاطب، وهذا الأخير يفهم الخطاب لأنه يشترك مع المتكلم في امتلاك النسق. وإذا انعدم هذا الاشتراك، فإن عملية التواصل تفشل لا محالة. وهذا ما يحدث بالطبع عندما يجهل المخاطب اللغة التي يستعملها المتكلم"[11] . ثم يضيف لتعريف المخاطب : " من هو مخاطب المؤلف الكلاسيكي؟ الجواب بسيط: المؤلف الكلاسيكي يخاطب معاصريه. ومع ذلك فإننا في بحوثنا كثيرا ما نهمل دراسة المخاطب و لا ننتبه إلا للعلاقة بين المتكلم والخطاب. ذلك أننا نفترض أن المتكلم موجود في الخطاب ونفترض أن المخاطب لا يوجد إلا خارج الخطاب. لكن يكفي أن نحلل بدقة خطابا ما ليتبين لنا أنه يرسم صورة واضحة للمخاطب"[12]. ويضيف كيليطو في نفس السياق: " يترتب عن إهمال المخاطب إهمال النسق" [13]. وارتباطا مع أهمية معرفة النسق لحظة القراءة، أو عدم تحققها لحظة القراءة، وعن أهمية البحث عنه والإمساك به، أو بنائه وتركيبه من خلال النص الكلاسيكي، يقول كيليطو: " يحدث سوء التفاهم عندما نعتمد على نسق حديث أثناء حكمنا على نصوص قديمة ترتكز على نسق مخالف. وهذا يؤدي إلى أحكام لا نقول إنها خاطئة، ولكن في غير محلها. لا ينبغي أن نتوهم أن النسق الكلاسيكي ماثل أمامنا بوضوح بحيث يكفي أن نمد يدنا لاقتناصه. لا بد من تركيبه وتنظيمه من جديد، وهذا يتطلب منا ألا ننسى المسافة التي تفصلنا عنه"[14]. وتوضيحا للعلاقة بين النص والنسق والمخاطب التي هي علاقة قلما انتبه إليه نقاد التراث والأدب على وجه العموم في قراءاتهم، يقول كيليطو: " النص الأدبي لا يعرف الاستقرار والجمود، ذلك أنه يخضع لمنطق خاص هو منطق السؤال والجواب. النص يجيب على سؤال يضعه المخاطب، وبتعدد المخاطبين والأزمنة تتعدد الأسئلة والأجوبة.. وبالمقابل فإن النص بدوره يطرح أسئلة وعلى المتلقي هذه المرة أن يجيب. يظهر هذا عندما يتعارض النص مع التصورات المألوفة لدى المخاطبين. وقد يؤدي الأمر إلى إبراز تصورات جديدة"[15] . ويضيف قائلا : " منطق السؤال يفرض علينا أن لا نغفل "علاقة التوتر"[التي تحدث عنها كادامير في الحقيقة والمنهج] الموجودة بيننا وبين النص الكلاسيكي. مؤلفات الماضي لا تقترب منا إلا إذا بدأنا بإبعادها عنا" [16].
هذه إذن هي باختصار شديد رؤية كيليطو لمشكلات التعامل مع النص الكلاسيكي، وهي رؤية جديدة يضيفها كيليطو إلى مجهودات النقاد الآخرين، ويحاول بها أن ينقض ركائز الرؤية التقليدية التي تعاملت مع التراث لفترة طويلة من الزمن. ومما يجب الإشارة إليه أن مثل هذه الرؤية تكاد تكون قلبا للمرتكزات المنهجية ، كما أنها تعيد النظر في مجمل المفاهيم التي درج على استعمالها المنهج التقليدي الفقير من ناحية إلى الخلفية النظرية الصلبة ومن ناحية أخرى إلى الطريقة الناجعة في التعامل مع النص التراثي، الأدبي والسردي والفكري.


هوامش
[1] نص المداخلة التي قدمت في ندوة التراث وسؤال القراءة التي نظمها فرع وجدة لاتحاد كتاب المغرب.
[2] انظر الحكاية والتأويل، ص33.
[3] الأدب والغرابة، ص 6.
[4] الأدب والغرابة ، ص 6
[5] الأدب والغرابة، ص 9.
[6] نفسه، ص10.
[7] الأدب والغرابة، ص 107.
[8] الحكاية والتأويل، ص 20.
[9] نفسه،ص 7.
[10] منها: مفهوم الفرد المبدع، مفهوم التعبير، مفهوم تلاحم أجزاء النص.
[11] الأدب والغرابة، ص42-43.
[12] نفسه، ص 43.
[13] نفسه، ص 43.
[14] نفسه، ص 43.
[15] نفسه، ص 44.
[16] نفسه، ص 44

المشهد الثقافي بالمغرب : من خلال جهود وزارة الثقافة

المشهد الثقافي بالمغرب : من خلال جهود وزارة الثقافة
رؤية لواقع الحصاد الثقافي
د. عبد الرحمن بوعلي
-1-
انقضى الموسم الثقافي (2005) أو كاد، وبدأت ملامح صيف ساخن تتأكد وتسحب على المشهد الثقافي غلالات من التوهج والحرارة. ولا شك أن الوقت قد حان لوضع تقييم لما تحقق في هذا المشهد.
ومما لا شك فيه أن الكتاب والمثقفين المغاربة اليوم أو على الأقل الأغلبية منهم لا يختلفون في أن المشهد الثقافي بالمغرب الذي ظل مريضا بعد عقود من الإهمال المقصود وغير المقصود، قد بدأ يتماثل للشفاء. فقد دبت الحركة في شرايينه بعد أن ضخت فيه دماء جديدة.
ولا شك أن تصوير المشهد الثقافي بالمغرب من قبل البعض بأنه مشهد يلفه السواد هو من قبيل المبالغة التي لا تصمد أمام التطور الكبير الذي شهده المشهد الثقافي في السنوات الأخيرة. ولعل وصف هذا المشهد بهذا الوصف من قبل البعض تحكمه ملابسات لا تخفى على اللبيب، ولا نريد التفصيل فيها، وهي من قبيل الملابسات التي تصدر عن نفوس لا تعرف إلا الهدم بدل البناء. ولقد كان من واجب المثقف المغربي (وهو ما لم يفعله إلا لماما للأسف) أن يتساءل على الأقل بهدف إبداء حكم موضوعي على ما تحقق. وكان عليه أن يقف على جانب الإنجازات التي تحققت في السنوات الأخيرة، سواء في ميدان الإشعاع الثقافي وإعادة الاعتبار إلى الثقافي في معناه الواسع، أو في ميدان النشر والإنتاج الثقافي بمختلف ألوانه وأنواعه وأجناسه، أو في ميدان دعم الثقافة ماديا ومعنويا ونشرها وترويجها خاصة في مجال جليل وعظيم هو مجال المسرح، أو في ميدان الأعمال الكبرى الذي ظل المغرب البلد الحضاري والمترجم لحضارة الغرب الإسلامي وشمال إفريقيا، يفتقدها طوال سنوات الاستقلال. وهو الأمر القمين بأن يجعلنا نتفاءل بمستقبل الثقافة بالمغرب التي بدأت تطل على آفاق واسعة لا تترجمها إلا الجهود الكبيرة للمثقف المغربي مبدعا كان أو ناقدا أو مهتما.
-2-
لنقل إننا دخلنا في عهد جديد، هو عهد إيلاء المشروع الثقافي ما يستحقه من عناية تؤكد على الأقل أن الثقافة المغربية ليست دائما ذيلية، وليس من المفروض أن تكون على الهامش لتشهد انهيار المجتمع وتكلسه وانحرافه، وإنما هي مجال حيوي لابد أن يأخذ مكانه الطبيعي باعتبارها تمثل القيم الأصيلة والنبيلة، وباعتبار تأثيرها الكبير والحاسم في الواقع، لكن في شروط لا بد أن تعطي للإنسان كل ما يحمله من معان سامية وقيم نبيلة، وبمعايير ترفض الجمود والتحجر وتعانق التطور والانفتاح وترسم آفاق رحبة.
مثل هذا التصور هو الذي يجب أن يسود نظريا وعمليا وهو الذي كان ينقص الفعل الثقافي الرسمي بالدرجة الأولى والشعبي بالدرجة الثانية، ومثل هذا التصور هو الذي جعل الثقافة الغربية تتطور بخطوات جبارة خلال القرن العشرين على الأقل، وقبل هذه الفترة بكثير، حينما ارتفعت تباشير النهضة الأوروبية المدوية وهي تدعو إلى عصر الأنوار وإلى إعطاء الحرية في التعبير والفعل الإبداعي، ومثل هذا التصور هو الذي جعل الثقافة العربية الكلاسية والقديمة تنتج عظماء من الشعراء والمفكرين والعلماء، في قرون عرف فيها العرب أوج حضارتهم التي اعتمدها الغرب في نهضته، وكان المهاد الحقيقي للنهضة الكبرى التي أنتجت مونتسكيو وفولتير وديدرو وغيرهم. وكل هؤلاء العظماء العرب بنوا لبنات أساسية في صرح الحضارة العربية والاسلامية التي سيؤول أمرها إلى الغربيين الذين لم يرفضوها رفضا مطلقا ولم يقبلوا بها قبولا مطلقا، وإنما تعاملوا معها وبنوا عليها ما أصبح يسمى بالنهضة الغربية، ومثل هذا التصور هو الذي يقود الثقافة المغربية على الأقل في هذه المرحلة إلى اكتشاف قدرتها على نسج نماذج راقية في التعبير والفعل الثقافيين، سواء من خلال جهود المبدعين أو جهود الوزارة.
-3-
وليس هذا الرأي مجرد رأي نرمي به جزافا، أو نريد من خلاله أن نرمي بالورود كما يقول الفرنسيون إلى حيث يتصور البعض، ولكنه رأي ينبني على تشخيص الواقع الثقافي نفسه، هذا الواقع الذي نعيشه ونشاهده، والذي كان تحققه بل وتصوره من قبيل العجائب السبع ومن قبيل المستحيلات في عهود خلت، حين كان الشأن الثقافي يدخل في اختصاصات فقيه نابغة أو تاجر ناجح أو سياسي مخادع. أما وأن الثقافة أصبحت اليوم من اختصاصات من يملك الانتماء العضوي إلى الثقافي، فقد عاد إليها نسغ الحياة وأعطت زهرات بالغة الحسن والجمال. وأما التطور الذي شهده الفعل الثقافي بالمغرب، فيكفي أن نشير إلى بعض مظاهره، وهي مظاهر غنية عن البيان والتعليق.
فأولا: شهدت المطابع ودور النشر حركة دؤوبة في طبع الأعمال الثقافية الإبداعية والفكرية والعلمية، تساهم في إنتاجاها كل الأجيال، من السبعيات إلى التسعينات، إلى الألفية الثالثة... وهو أمر كان لا يطرقه في الماضي إلا من أوتي القدرة على تمويل مشروع كهذا يتطلب التضحية بقوت اليوم والصبر والجلد أمام ملاك المطابع ودور النشر.
وقد أدت هذه الحركة المتواصلة والمتواشجة إلى ظهور إبداعات لم تكن ظروف السبعينات والثمانينات والتسعينات لتسمح بظهورها، للطغيان الكاسح للثقافة المشوهة ولثقافة العكاكيز، وهي إبداعات تعكس التطور الملحوظ والنضج الذي لا يتفاوت فيه السبعيني والتسعيني، وإنما هو قاسم مشرك بينهما.
وثانيا: اهتمت وزارة الثقافة بهذا المجال الحيوي الذي شهد تلاعبا خطيرا خلال عقود طوال بعد أن أصبح يسهر عليها مسؤول شاعر وأديب. وقد تمثل هذا الاهتمام في إسناد مسؤولية المجلات التي تصدرها وزارة الثقافة لمثقفين وأدباء كبار يشهد لهم الجميع بعلو الكعب وبالمراس الثقافي وبالاستقامة التي لاشك فيها. ولا أحد يشك في كفاءة الأستاذ الجليل أحمد اليبوري أو ينكر ما أسداه هذا الأستاذ الجليل والعلم الكبير الذي نعتبره أستاذا للأجيال ونعتبره أحد الرواد الذين أسسوا الأدب المغربي الحديث، وأحد المثقفين الكبار الذين عاشوا بفضل مبادئهم التي آمنوا بها، بدءا من ظهر المهراز حين كان يشغل منصب نائب عميد كلية الآداب، وانتهاء بالرباط حيث ظل يدرس ويشرف ويناقش ويشارك في الندوات والملتقيات. ولا أحد ينكر أيضا ما قام به الأستاذ الناقد عبد الحميد عقار الذي أصدر مجلة جسور في زمن كانت الجسور هي المجلة التي تحمل هموم المثقفين، وكا هو أحد الفاعلين الأساسيين في الحقل الثقافي بالمغرب. وقد استطاع الأستاذان معا اليبوري وعقار بحكم تجربتهما التي اكتسباها في اتحاد كتاب المغرب أو في الجامعة، وبفضل حنكتهما الثقافية المعروفة عنهم، وبفضل انفتاحهما على مختلف شرائح المثقفين والمبدعين من خلال الحوار ،أن يعطيا لمجلتي المناهل والثقافة المغربية وجها جديدا .
وبالإضافة إلى هذا المعطى هناك اهتمام وزارة الثقافة بطبع الكتاب المغربي الذي لم يكن من الممكن أن يحتل موقعا في الساحة المغربية في عهد وزارات الثقافة القديمة. فظهر عدد كبير من الكتب والأعمال الثقافية والأدبية مثل أعمال زفزاف والطبال والصباغ والميموني والميلودي وغلاب وأخربف وأعمال كتاب من أجيال لاحقة تملك موهبة كان من الواجب أن يلتفت إليها وأن تبوأ المكانة التي تستحقها بعد أن عانت من وصاية غير مقبولة لعقود من الزمان.
وليس هذا فحسب ما يمكن أن يحسب لوزارة الثقافة، وإنما من الممكن أيضا أن نشير إلى عملية الدعم التي توليها وزارة الثقافة لمجالات ثقافية وإبداعية، فهناك الدعم الموجه إلى المسرح المغربي، وهو دعم لا يمكن أن ننكر أهميته رغم انتقادات بعض رجال المسرح الذين لم يستفيدوا منه، ونتذكر بالمناسبة كيف أن وزارات الثقافة السابقة لم تكن لتعترف حتى بالمسرح الذي كان واجهة ثقافية وفكرية أساسية ومهمة شكلت تيارا فكريا انتمى إليه كل المبدعين والمثقفين الشرفاء والمرتبطين بحركية المجتمع في السبعينات أيام المرحومين محمد مسكين ومحمد تيمد، بل إن الدعم الذي كان يوجه للمسرح المغربي الهاوي بالمغرب كانت من ورائه وزارة أخرى هي وزارة الشبيبة والرياضة في إطار مهرجان الهواة، وكان قليلا جدا لدرجة أنه كان يبعث على السخرية. من الممكن أن نشير أيضا في إطار الحديث عن الدعم إلى دعم وزارة الثقافة للمهرجانات والندوات الكبرى التي تشهدها مناطق المغرب، كما يمكن أن نشير إلى دعم نشر الكتاب والمجلة الثقافية.
وفي الأخير لا بد من أن وزارة الثقافة وهي تجسد طموح المثقف المغربي المشروع إلى ثقافة مزدهرة ومتطورة تسعى إلى تدشين مشاريع كبرى مثل المتحف الوطني والمكتبة الوطنية والمسارح الجهوية، والاهتمام بطموحات المثقفين في مناطقهم وجهاتهم التي تمتلك خصوصياتها، ومن جهتنا نؤكد على تأسيس المركز المغاربي للبحث والثقافة والتنمية الذي يطرحه مثقفو الجهة الشرقية باعتبارها جسرا بين أقطار المغرب العربي، رغم الظروف الصعبة التي يعيشها اتحاد المغرب العربي، وهي مشاريع ظلت مغيبة وغير مفكر فيها لحد الآن. وربما إذا تحققت هذه المشاريع التي هي أكثر من ضرورية والتي ينتظرها المغاربة كلهم، وإذا تم بناؤها في أكثر من مدينة، فقد تعطي للمغرب -كما قال الوزير محمد الأشعري - صورة أخرى، قد تضاهي أو تفوق صورة مصر التي تعج بعشرات المسارح والمتاحف والمكتبات. وحينئذ سيصبح المغرب قبلة للمثقفين العرب الذين كانوا يتجهون إلى القاهرة.
بقيت الإشارة في الأخير إلى أن الثقافة المغربية والمثقفين المغاربة يستحقان كل هذا الاهتمام، وهو اهتمام تزايد في السنوات الخمس الأخيرة، بل والأكثر من ذلك يجب أن يعاد الاعتبار للثقافة المغربية وللمثقف المغربية بمزيد من العقلانية.
فهل ستتحقق هذا الأمنية.

د.عبدالرحمن بوعلي

العولمة بين الحتمية وضرورة حماية الهوية

العولمة بين الحتمية وضرورة حماية الهوية
د.عبدالرحمن بوعلي

ملخص :
إن التداخل المتسارع للاقتصاديات ، والزحف المكثف لوسائل الاتصال التكنولوجية ، وظهور الطرق السيارة للمعلومات، غمرت جميع البلدان ، وسط محيط متعدد الثقافات . وفي الوقت الذي يخيل إلينا أن العالم يتجه نحو التوحد ، تبرز بوضوح العديد من اختلافاته الإثنية والدينية والثقافية ، وتطفو على سطحه مقولات جديدة من قبيل مقولة "صدام الحضارات" ، قد تبررها عند البعض الثنائية المشهورة التي تقسم العالم إلى عالمين اثنين :عالم ذي مرجعية ثقافية واجتماعية متقادمة ،من خصوصياتها الرؤية الشمولية والقيم العقلانية والحقوق الإنسانية والثقافة المتحررة… من جهة ، وعالم آخر ذي مرجعية تتميز بالحقيقة الواحدة والمطلقة وبالثقافة التقليدية المتوارثة … من جهة أخرى . إن هذا الوضع المتضارب والمتناقض من شأنه أن يعرقل التوجه نحو عالم تسوده المبادى ء الإنسانية الرفيعة ، ويجعل الأفراد في تردد بين القيم المرجعية والعادات الانتمائية ، وترمي بهم في متاهات الضياع وآفاق التمزق والصراع .
وإذا كان الرأي السائد يقر في الجانب الأعظم منه أن العولمة التي يتقصدها العالم المعاصر ويشرئب نحوها ، مرتبطة أساسا بمنطق السوق الحديثة وبآلياتها المستجدة وبأهدافها الاقتصادية النازعة نحو الربح والمكاسب التكنولوجية والمعرفية والمالية ، فإن الضرورة المعرفية تحتم معالجة التأثيرات الثقافية لهذه العولمة ، ومدى قدرة الثقافة على التأقلم مع أنماطها الجديدة ، وكيفية ردود فعل الثقافات المحلية على هذا الكائن الجديد والغريب الذي يسمى العولمة . وتتناسل الأسئلة حول هذا الموضوع الحيوي وتتكاثر ، خاصة في عالمنا العربي والإسلامي الذي اتخذ أشكالا من التطورات والتوجهات تصب كلهـا في هدف إغناء الحضارة الإنسانية برمتها، وتوجيهها توجيها سليما دينيا ودنيويا .
وإذا ما حاولنا الوقوف عند أهم الطروحات التي تكتسح الخطاب المعاصر، سواء حول مفهوم العولمة أو مفهوم التطور عند الشعوب والحضارات، فإننا نجدها تركز أساسا على ثلاثة خطابات : الخطاب الأول حديث نسبيا وصادر عن المؤسسات المالية والاقتصادية العالمية الكبرى ، ويحاول الإقناع بأن النجاح الاقتصادي وما يسبقه من نقلة تمهيدية ، لا يمر عبر التأقلم مع قيم الثقافة المحلية ، بل من خلال تجاوزها وإلغائها . فالثقافة من هذا المنظور هي حاجز أمام الانطلاقة التنموية ، تعرقلها وتبطىء مسارها ، بل وتقوضه . لذلك يدعو أصحاب هذا الخطاب المجتمعات إلى التخلي عن قيمها الثقافية الخاصة ، وتعويضها بقيم أخرى مستمدة من محيط غير محيطها ، بدعوى اتباع النموذج الناجح ،كما يطالبها بتطبيق نمط تنموي محدد أكد فاعليته في بلدان جنوب شرق آسيا الزاحفة اقتصاديا .
أما الخطاب الثاني فقد تبلور ت عناصره بعد سقوط حائط برلين وانهيار الشيوعية واندلاع حرب الخليج، وهو خطاب جاء معلنا عن "حرب الثقافات" و"صدام الحضارات" جاعلا من الأفراد والجماعات سجناء هوياتهم الثقافية ، ومن التناقض الذي يصل إلى حد العداء والمواجهة أساس الحضارات ، وهو خطاب يفنده التاريخ وتلغيه الحقائق، فمن غير المعقول تصور الحضارات تنمو وتتطور وهي في عزلة ودون حوار خصب فيما بينها. فالحضارة الإسلامية أثرت مضامينها وحققت انطلاقتها وشموليتها بتلاقحها مع الحضارات الأخرى السابقة والمعاصرة لها. كما أن الحضارة الغربية استفادت كثيرا من الحضارة العربية والإسلامية وأخذت عنها ما وفر لها مستلزمات التطور والنهوض. ويحمل هذا الخطاب مفارقة غريبة، إذ يربط بين ضرورة العولمة الاقتصادية وحتمية صدام الحضارات وما ينجر عنه من ردود فعل حمائية كالغزو والهيمنة من جهة والتمركز المعكوس من جهة أخرى.
أما الخطاب الثالث ، فقد تبلور عقب ظهور خطاب العولمة وما نتج عنه من آراء بدت خطيرة على تواجد كيانات لها خصوصياتها ومنها كياننا العربي والإسلامي . إنه خطاب بقدر ما يتماهى ضمنيا وظاهريا مع خطاب العولمة المعاصر ويقترب منه بقدر ما يحاول في الوقت ذاته أن يدافع عن الخصوصية المرجعية : الثقافية والاجتماعية والعقدية للمجتمعات المعاصرة . ومن المؤكد أن المجتمعات العربية بما لها من خصوصيات ثقافية عربية وإسلامية تظل من أهم نماذج هذا الخطاب الأخير .
هذه هي الخطابات التي حاولت أن تتطارح ضمنيا أو بشكل مباشر وظاهر مفهوم الهوية l'identité . وغني عن البيان أن الخطابين الأوليين (خطاب تنامي الاقتصاد وخطاب صدام الحضارات ) يجردان العولمة من أبعادها الشمولية والإنسانية ، ويجعلانها سجينة منطق اقتصادي خاضع لآليات السوق ، أو سجينة عالم صدامي وتدميري ،غير عابىء بالقيم المشتركة والاختلاف المثري والتكامل الممهد للسلام العالمي . وهما خطابان يرتبطان بمرجعية غربية ، عنيفة وتنحو نحو السيطرة . إنهما خطابان يعيدان البشرية إلى المرحلة الكولونيالية الاستعمارية التي عرفناها في بدايات القرن العشرين . ولا غرو في ذلك لأنهما خطابان أفرزهما عالم قوي هو العالم الغربي المسنود بالقطب المهيمن فيه وهو قطب الولايات المتحدة بقوتها الاقتصادية والتكنولوجية ، وبنفوذها المتعاظم في أقطار أساسية وقوية من حيث الخيرات الاقتصادية .
ومن هنا تأتي أطروحتنا الثالثة التي نحاول فيها أن نقدم بديلا عن العولمة سواء في جانبها الاقتصادي كما صاغتها المؤسسات الاقتصادية الكبيرة ، أو في جانبها الصراعي كما أبرزه صمويل هنتغتون ، وذلك من خلال الخطاب الثالث الذي أومأنا إليه وهو الخطاب الذي يندرج فيه تحليلنا وتفكيرنا، مستندين فيه على أطروحات الدكتور المستقبلي المهدي المنجرة وغيره من المفكرين العرب والأجانب .
ولعل أهم ما يجب الإشارة إليه ، في هذا الملخص الموجز أن العولمة والهوية لا يجب أن تحتضنهما دائرة الصراع ، كما يذهب إلى ذلك د. عبد الباقي الهرماسي ، بل قدرهما التكامل ، ذلك لأن اختلاف الهويات هو أساس العولمة ، وبقدر ما تكون هويات الشعوب ( ومنها هوية الشعب العربي بمرجعيته العقدية الاسلامية وبمنظوراته الفكرية ) مدعمة ومرتبطة بمرجعياتها الثقافية المتولدة عن ظروف عيشها، تكون العولمة أكثر خصوبة ونفعا.
ولذلك ، فإن الموضوع المطروح علينا موضوع العولمة ، وهو يجعلنا نعترف بأن العالم قد تغير كثيرا بدرجة كبيرة ، من حيث الوسائل العلمية والتكنولوجية ، وأن نصيبنا نحن من هذا التطور العلمي والتكنولوجي ليس إلا النزر اليسير ، يجعلنا متأكدين أيضا من أن ضرورة وجودنا تحتم علينا أن نساير التطور وأن نتعايش معه ، لنواصل مسيرة حضارتنا وفرضها كحضارة كونية .

المقدمة :
يندرج موضوع " العولمة بين الحتمية وضرورة حماية الهوية " الذي نتناوله في هذه المداخلة في إطار الحوار الدائر اليوم بين المثقفين العرب والعالم الغربي . ولعل أول ما يجب الإشارة إليه أن العولمة تكاد اليوم أن تصبح الشاغل الأساسي للناس . فقد أصبح موضوعها موضوعا منتشرا بشكل كبير، بل أصبح مثار نقاش واسع وجدل يتنامى في العالم يوما عن يوم . ومن المنطـقي أن نقول عنه إنه بات يشكل قطب الرحى الذي تدور حوله النقاشات التي تجعل من العالم "المعولم" إذا جاز التعبير قطب الرحى، هذا العالم السائر نحو آفاق لم تكن معروفة من قبل . من هنا فقد بات عند الكثيرين " يشكل قلقا لدى الطلائع المستنيرة في مختلف البلاد ، من المعنيين بالهم العام (ونحن منهم ) ، الذين يحرصون على معرفة ما سيؤول إليه الأمر بالنسبة لأقطارهم وشعوبهم " [1][1].
وبالفعل فقد تطور العالم المعاصر الذي نعيش فيه اليوم بالقدر الذي يسمح لنا بالقول إنه عالم منجذب بشكل من الأشكال إلى صنوف من المعرفة الجديدة ، لعل أبرزها المعرفة بالتقنيات الجديدة . وبتعبير آخر فإن هذه التقنيات الجديدة المستحدثة والمتسارعة تولدت عنها آثار مباشرة أثرت في تطور هذا العالم نفسه . فغيرت رأسا على عقب كل المفاهيم السائدة التي كنا نعرفها. ويمكن القول إن العالم المعاصر يتبع اليوم التقنيات. ومن قبل كانت الاقتصاديات هي التي تجر التقنيات الجديدة. وهذه ملاحظة يبدو لنا أنها تستحق الانتباه ذلك أننا في أثناء تعرضنا للهوية الثقافية والاجتماعية والحضارية سنعود إليها. ويتأكد لنا يوما عن يوم مدى أهمية ما ينتج عن كل ذلك من آثار سلبية أو إيجابية .

* * *
ويمكن في البدء أن نطرح سؤالين أساسيين ومركزيين، وهما : أولا: ماذا تعني الهوية (والهويات) في هذا السياق الجديد الذي نعيشه وفي إطار العولمة ؟ هل هي ظاهرة كان من الضروري أن يؤول إليها المصير البشري، أم هي مجرد وهم أو تقليعة غربية جيء بها لتلهية الشعوب المقهورة والضعيفة وجرها إلى أحضان الدول الكبرى ،كما يذهب إلى ذلك معظم المفكرين الإسلاميين ومفكري العالم الثالث ؟ ثانيا : ما الذي ستصبح عليه الهوية (أو الهويات) في عصر العولمة إذا ما نجحت هذه الأخيرة في فرض ذاتها علينا في هذا العالم الذي يبدو مختلفا كليا عن سابقيه ؟ هل ستضمحل الهويات الإقليمية والحضارية لتحل محلها هوية واحدة ووحيدة هي الهوية الكونية أو العالمية ، أم أن الهويات الإقليمية ستبقى حاضرة وراسخة ومتجذرة ، ولن تضمحل ما دامت الشعوب تنتج أفكارها وأساليب عيشها المرتبطة بظروف عيشها ؟
إنهما السؤالان المحوريان اللذان سيتكرران في موضوعنا المطروح ، واللذان يمكن اعتبارهما السؤالان الكونيان بامتياز ، مادام الواقع الاجتماعي والثقافي والفكري والعقدي، هو كل ما يشكل الهوية . لذلك ، سأحاول ، وبشكل تدرجي أن أقدم رأيي الشخصي حول ما يمكن أن تعنيه العولمة عبر مختلف الزوايا، ثم ، وفي وقت لاحق، سأحاول أن أتعرض لإشكالية الهوية الثقافية والاجتماعية والحضارية في سياق العولمة . وسأحاول في زمن ثالث أن أتعرض للإشكالية الأساسية لعلاقة العولمة بالهوية وتأثيراتهما المتبادلة ، أي سأحاول أن أبسط المقاربة الحضارية العربية والإسلامية للدخول في زمن العولمة على اعتبار التغيرات الكبرى التي أوجدتها التقنيات الجديدة . وفي الأخير سأعطي خلاصة تعبر في العمق عن خطاب يلتقي فيه الهم القومي والعقدي بالهم الحداثي ، سأختزلها في السؤال التالي: هل يجب ، في أفق القرن الحادي والعشرين ، إعادة بناء الهوية انطلاقا من متطلبات العولمة ، أم يجب تجديدها بناء على النسق المعاصر الذي تفرضه العولمة ، أم يجب الحفاظ على مقومات الهوية - الثقافية والحضارية والعقدية - التي هي المكون الأساسي لحضارتنا العربية الإسلامية ؟
تلكم هي المنهجية التي نقارب بها موضوع العولمة وتأثيرها على الهوية . فلنبدأ من البداية أولا ، أي من تحديد مفهوم العولمة .
* * *

1- في مفهوم العولمة :
ما الذي تعنيه العولمة ، بل ما الذي نعنيه نحن بالعولمة ؟ هل هي ظاهرة جديدة كل الجدة في عالمنا ؟ هل هي ظاهرة محض اقتصاديـة ؟ أم هل هي تصور جديد للعالم ؟
لنتوقف في البداية قليلا عند هذا السؤال الأول الذي عادة ما يتم تجاوزه عندما يتعلق الأمر بالعولمة : ما الذي نعنيه بالعولمة ؟ ولكي نفهم ما الذي تعنيه العولمة بدقة ، من الضروري الابتعاد عن مصطلحها الفرنسي la mondialisation الذي يبدو غير دقيق والاكتفاء بالمصطلح الأنجلوسكسوني The globalisation الذي يتحدث عن " الكون / والعالم الكون / والكونية " . وهكذا ، فمصطلح الكون له حمولة معرفية دالة ، فهو يختزن في نظري دلالة كبيرة وأهمية قصوى ، وذلك اعتبارا لكثير من الأسباب التي ترتبط بهويتنا العربية الإسلامية أولا ، وبرسالتنا في هذا الكون . وإذا كان مصطلح العولمة عند البعض " مصطلحا جديدا يشير إلى حالة مازالت في مرحلة التشكل والتكوين، ولكنها تتجه بسرعة إلى أن تفرض وجودها المهيمن القوي على معطيات الواقع الدولي والحياة المعاصرة، وبوتيرة سريعة ، توازي الوتيرة التي تنطلق بها الثورة الهائلة التي طالت مجالات الاتصال والمواصلات، والتي هي ملمح أساسي من ملامح هذه العولمة " [2][2] ، فإنه مفهوم أو مصطلح يحيلنا على مفهوم أو مصطلح جديد نصف به ظاهرة قديمة جدا . وبالفعل ، فنحن عندما قدر لنا – عن طريق الإنسان وعقله وعلمه - أن نترك الأرض لأول مرة وأن نلتحق بالفضاء الكبير والواسع ، وعندما استطعنا أن نرى انطلاقا من هذا الفضاء تلك الأرض وصورتها ، برزت أمامنا هذه المفاهيم من قبـيـل " كوكب الأرض " و" الكونية " وغيرها من المفاهيم المماثلة لها . لماذا ، لأننا للمرة الأولى بدأنا نرى الأرض وهي في حجم البرتقالة في رحم الكون . إن هذا يعني أن الأرض أصبحت تشكل كلية ، أي مجموعا سواء على المستوى الفيزيقي أو البيولوجي أو البشري . هكذا أصبحت الرؤية الكونية للأرض ممكنة وظاهرة لأول مرة. إنها ليست مجرد فكرة ، وإنما هي حقيقة . فالأرض تشكل كلية ، وهذا الكل هو كوني .
وانطلاقا من هذه الحقيقة التي تم الوقوف عليها وتحقيقها ، أصبح لدينا وعي بتداخل الظواهر التي تهم كوكبنا ، وأصبحت لدينا أيضا معرفة متزامنة عن الأحداث التي تجري في كوكبنا . ولكي نتخيل أننا نعيش في عالم كوني ، يجب أن نعرف أن ظاهرة جوية ما تقع في مكان من أرضنا ، لا تعرف فحسب في الوقت ذاته التي تقع فيه ، ولكنها تكون لها عواقب تهم بقية أمكنة أرضنا.وبعبارة أخرى ، فإن زوبعة رملية تقع في مكان من الجزيرة العربية ، أو شمال إفريقيا تكون لها نتائج تهم بلاد أوربا أو آسيا . إنها أشياء كانت غير معروفة في وقت سابق ، لكننا أصبحنا ندركها تمام الإدراك اليوم . إن انتماءنا المشترك لهذا العالم الذي نتقاسم فيه الخير والشر، السلم والحرب، الأمل والأمل، أصبح في واقعنا حقيقة .
ومع ذلك ، فنحن إذا رجعنا إلى ما يكتب عن العولمة وإلى النقاشات المواكبة لها ، أو إلى الرؤية التي تشكلها وسائل الإعلام عن العولمة ، فإننا سنقف على الملاحظة التالية ، وهي أن هذه الوسائل ، على اختلاف أنواعها ، تربط العولمة بشكل ملفت للانتباه بالظاهرة الاقتصادية . إنها لا تنظر إلى العولمة باعتبارها ترتبط بالظاهرة الأعمق ونعني بها التصور الجديد للعالم . ومن المعتـقد أن هذا الفهم سيأتي مع التطور ، أي أن تطور العالم سيؤدي بنا شيئا فشيئا إلى تصور أكثر كونية للإنسانية، وللإنسانية في عالمها.
البعد الاقتصادي للعولمة :
وبالفعل ، فنحن إذا حاولنا أن نتطرق إلى العولمة باعتبارها ظاهرة اقتصادية ، فإننا سنقف على حقيقة هامة ، وهي أن لا شيء قد جد على عالمنا المعولم ، لا شيء جديدا البتة قد حصل ، بالمقارنة مع ما تعلمناه من كتب التاريخ ومن تجارب الأمم السابقة . لماذا نقول ذلك ؟ لأنه منذ قرون وقرون خلت ، وجدت حركات التجارة ووجد التبادل بين مختلف جهات الكون الأربع وبين مختلف المجتمعات المتنوعة والمختلفة ، وفق مستويات متفاوتة القيمة. وإذا نحن رجعنا إلى ألفي سنة إلى الوراء على سبيل المثال لا الحصر ، فإننا سنرى أن البحر الأبيض المتوسط كان يشكل جزءا متجانسا حيث كان تبادل العلاقات قويا ، وحيث التبادل بين المشرق ( الهند والصين ) وآخر ركن في شمال إفريقيا (المغرب مثلا) كان مزدهرا وذلك وفق نظام من التواصل ينسجم مع ذلك العصر. في ذلك الوقت لم تكن أمريكا قد تم اكتشافها بعد ، مثلها مثل بعض من أجزاء العالم الأخرى. وما يمكن قوله أن التطور الذي هم وسائل التواصل والنقل في المقام الأول، ثم التطور الذي هم الوسائل التكنولوجية ، في الاتصال والمعلوميات ، أعطـى بعدا أكبر لهذه الظاهرة الاقتصادية . ومن هنا نشأت وخلقت هذه الدينامية الكبيرة .
الملاحظة الثانية التي تهم العولمة ، أن هذه العولمة لها حقل تأثير واسع. فيمكن النظر إليها بحسب زوايا ومستويات مختلفة . المستوى الأول هو مستوى الاقتصاد ، ثم المستوى الثاني وهو مستوى التنافسية هذا المفهوم الجديد . لكن الأهم من ذلك أن العولمة مرتبطة بالنظام الاقتصادي العالمي الجديد، وبالمنظمات الدولية التي تهتم بالاقتصاد ، مثل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي ، مثلما هي مرتبطة بالمؤسسات والتجمعات الاقتصادية الكبرى مثل الأوبيب والغات ، وبالأسواق المفتوحة والحرة التي تتنافس فيها جميع بلدان العالم. بعبارة أخرى ، ليس في نظام العولمة أية حواجز ممكنة للحماية . فقد انتفت الحدود بيننا وبين عالمنا الكبير . ونحن اليوم لا نزن أنفسنا بأنفسنا ، كما لا نزن أنفسنا بجيراننا، ولكن نزن أنفسنا بمجموع العالم . وإذا كنا نستطيع الإنتاج أحسن من الآخرين يمكن أن نبقى ونستمر. وفي حالة عجزنا عن ذلك ، فإن آخرين سيقومون بالعمل نيابة عنا . كل ذلك يجعل من مظهر التنافسية هذا ومن المظاهر الأخرى المرتبطة بالتنافسية ، من قبيل التدافع والتسابق ومحاولة الهيمنة والإقصاء مظاهر أساسيا في إطار هذه الرؤية الاقتصادية للعولمة أولا ، وفي إطار رؤيات أخرى من بينها الرؤية الحضارية التي تحيلنا بدرجة أساسية على الهوية .
واضح إذن أن العولمة وإن بدت ذات طبيعة اقتصادية بدرجة أولى ، فهي عولمة للثقافات وللنسيج الاجتماعي بكل ما يتضمنه هذا النسيج من مكونات. ولذلك ، فمن اللازم أن نعرج على تمظهرات العولمة على المستوى الثقافي ، وأن نحدد الأخطار المحدقة بالجانب الثقافي ، هذا الجانب الذي لا تخفى أهميته عن أحد .
* * *
البعد الثقافي للعولمة :
إن البعد الآخر المهم جدا في العولمة هو البعد الثقافي . لقد تأثر هذا البعد الثقافي كثيرا بهذا التسارع الكبير الذي هم عدة نواحي من العالم ، خاصة ذلك البعد الذي هم المستوى التكنولوجي . لهذا فالبعض أصبح يستعمل مفهوم "الثقافة المهيمنة " la culture dominante وهو مفهوم بات رائجا بشكل كبير . إنهم يرون أن العولمة هي الأساس le vecteur الذي يدمج كل الثقافات الأجنبية الأخرى والتي تنتمي إلى أجزاء مختلفة من العالم ، وأن هذه الثقافة المهيمنة تتجه بالتدريج إلى إلغاء ومسح الثقافات المحلية autochtones التي أنتجتها الشعوب والبلدان الأخرى . إنها رؤية " الثقافة المهيمنة ".
هناك رؤية مغايرة أخرى يمكن الدفاع عنها . ففي التاريخ كانت هناك حضارات قوية وأخرى ضعيفة في تاريخ ما . لكن هذه الحضارات القوية لم تستطع أبدا محو الحضارات الضعيفة . لقد أثرت على هذه الحضارات بشكل أو بآخر. أما اليوم فيمكن أن نتحدث عن إمكانية أخرى ، تلك الإمكـانية هي ما يمكن تسميته بـ " الثقافة المشتركة ". لكن ما الذي نعنيه بالثقافة المشتركة ؟ للإجابة نقول ، هناك عدد مهم من القيم والسلوكات والأفعال تنحو نحو أن تكون مشتركة بالنسبة لجميع أفراد الإنسانية، لكن كل هوية وكل بلد يمكن أن يمتلك قيمه الخاصة التي يمكن أن تكون وأن تتحقق وأن تتطور بإزاء القيم المشتركة . ومن المعقول أن المتفائلين يراهنون على هذا الحل الثاني ، أي على كوننا نعيش بقيمنا وبالقيم المشتركة ، بدل الرهان على الثقافة التي تمحو الثقافات الأخرى وتأخذ مكانها .
يمكن أن نطرح السؤال التالي : ما هو العنصر المهيمن في هذه القيم ؟ إنهما شيئان اثنان أساسيان : وسائط الاتصـالles mediats ، وبالدرجة الأساسية التلفزيـون ، التي هي العنصر الأساسي للتواصل ولنـقل القيم المشتركـة . أما العنصر الثاني فهـو كل هذه البنينة المؤسساتيـةla structuration organisationnelle التي ، وهي تتكون على المستوى العالمي ، تقوم بتحديد القواعد و النماذج الموحدة les standards التي تنظم العلاقات التجارية والسياسية ، بل والعلاقات الاجتماعية ، بين التنظيمات والأفراد . لهذا ، فإن الذين يودون أن يبقوا في حقل المنافسة يجب أن يحترموا هذه القواعد و النماذج الموحدة les standards . هذان العاملان هما اللذان يلعبان دورا كبيرا في هذه الرؤية العولمية للثقافة .
البعد السلوكي للعولمة :
هناك بعد آخر له في نظري من الأهمية الإضافية الشيء الكثير ، وهو يتجاوز بكثير ما هو اقتصادي أو ثقافي ، إنه البعد السلوكي للأفراد والمجموعات إزاء المشكلات الكبرى للإنسانية . لقد قامت العولمة بإدخال مفهوم آخر وجديد . لماذا ؟ لنشرح ذلك. بسبب محدودية العالم وانغلاقه ، فإن الإنسان ، في هذه الحالة ، لا يمكن أن يعيش على سطح الأرض ، وليس هناك من إمكانية للذهاب بعيدا . وعليه ، فإن كل مشكلات العالم تصير مشكلات كل فرد . هذا المظهر لم يكن مقبولا قبل ثلاثين أو خمسين سنة ، لكننا اليوم أصبحنا نعيه بكامل وعينا .
لنأخـذ كمثال عما نقول مشكلة التكاثر الديموغرافي الذي هو ظاهرة نتحدث عنها كثيرا اليوم ، بسبب أهميتها وخطورتها . ولنأخذ كمثال بلاد المغرب :
· في سنة 1900 كان عدد السكان يبلغ ثلاثة ملايين. تخيلوا إذن بلدا كبيرا مثل المغرب يسكنه ثلاثة ملايين إنسان .
· في سنة 1960 ، عصر الاستقلال ، بلغ العدد قرابة العشرة ملايين . هذا يعني أنه خلال ستين سنة، تضاعف الرقم ثلاث مرات .
· من سنة 1960 إلى سنة 1994 ، ووفق الإحصاء الأخير ، انتقل العدد من عشرة ملايين إلى ثمانية وعشرين مليون ، أي تضاعف العدد ثلاث مرات خلال ثلاثين سنة. تتخيلون أن مساحة المغرب لم تتغير ، لكن عدد السكان انتقل من ثلاثة ملايين إلى ثلاثين مليون في مائة سنة . بعبارة أخرى تضاعف عشر مرات . إن هذه الأرقام تدفعنا إلى التفكير. فهذه الزيادات المهولة في عدد السكان لا تهم المغرب، ولكنها تهم العالم .
وعندما نريد التحدث عن العالم ، يمكن أن نقول :
· قبل عشرة آلاف سنة ، كان يقدر عدد ساكنة العالم بثمانية ملايين مجموع ساكنة سنة 1960.
· وقبل ألفي سنة كان يقدر العدد بنحو مائتين وخمسين مليون .
· وفي سنة 1960 كان العدد يقدر بخمسمائة مليون .
· وفي سنة 1800 قدر بمليار .
· وفي سنة 1960 انتقل العدد إلى ثلاثة ملايير .
· وفي سنة 1999 أصبح العدد ستة ملايير .
· ويقدر العدد في سنة 2040 باثني عشر مليار .
وكون أن العالم سييستضيف اثني عشر مليار ساكن ، وأن المغرب سيستضيف بين خمسة وأربعين وخمسين مليون ، ستكون له نتائج درامية وكبيرة علينا. وفي الوقت نفسه ستكون لهذه الظاهرة نتائج وخيمة على مجموع العالم . إنه أحد أهم الظواهر العالمية التي لايمكن تجاهلها. خاصة وأن مشكلات عالم الاثني عشر مليار ستكون كبيرة : ومن هذه المشكلات مشكلات التغذية والماء والمجال الحيوي والتطبيب والتعليم وغيرها .....
لا يمكن لنا أن نقول : إننا نعيش في بلد منعزل بمساحة سويسرا أو فرنسا أو قطر ، وبالتالي فلتجاهل عدد سكان العالم الذي سيتضاعف ، وسيصل إلى اثني عشر مليار . لأن ذلك هو ما سيحدث، وستكون عواقبه وخيمة على البشرية كلها .
ما نراه أيضا من هجرات سكانية مهولة نحو دول الشمال اليوم ، والمآسي التي أصبح ينقلها الإعلام ، خاصة أحداث غرف آلاف الناس في البحار وهم يفرون من فقر مروع وعوز كبير ، ليس إلا بدايات لظاهرة أكثر عمقا ، ستهم العالم كله . وجميع البلدان لا يمكن أن تكون بمنأى عن نتائج هذه الظواهر. ولذلك ، فإن ظاهرة التكاثر الديمغرافي الذي لا تخفى أهميته ، يجب أن يغير تصورنا للعالم وطرق عيشنا ، ويجب أن نبادر في الحال لحل المشاكل .
هناك مشكلة عالميـة ثانية تبدو لي من الأهمية بمكان ، وهي مرتبطة أيضا بمشكلة التكاثر الديمغرافي ، تلك هي مشكلة البيئـة . فقديما ، كان الناس يعتقدون أن الأرض في إمكانها أن تتحمل كل ما يقوم به الإنسان ، عن جهل ، تجاهها وفيها . لم يكن هذا الإنسان ، ولم نكن نحن أيضا نحسب أو نعي هشاشتها ، والعلاقات بينها وبين الأنواع الحية التي تقطنها والعالم الفيزيائي . كان الإنسان يعتقد أن كل الظواهر يمكن إصلاحها . ولم يكن هذا صحيحا، فليس هناك من إمكانية للإصلاح والعودة إلى البداية في الطبيعة. فكوكبنا كما هو مكتوب ومسطر ، يسير نحو نهايته ، تماما كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم : " كل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ". وإذا كان من المتوقع علميا كما يقول العلماء أن كوكبنا سيبلغ ستة ملايير قبل موته المحتوم ، فإن الإنسان قادر في هذه الحالة على تسريع هذا الموت ، وذلك من خلال اجتثاث خيراته وإفساد بيئته ، أو أيضا من خلال الأخطار النووية والبيولوجية والوراثية والكيماوية .
إن عالمنا المعاصر أصبح يضع قدميه تحت عدد لا يحصى من القنابل والمتفجرات القوية التي يمكن أن تدمره . إنه خطر حقيقي ، والحمقى موجودون فيه ، وبالعدد الكافي لتفجيره . ويكفي أن يضغط زر من قبل شخص أحمق ليتحطم كل شيء . لكن لنرجع إلى البيئة التي أثرناها سابقا . ولنأخذ مشكلة الغابات . ففي الوقت الذي أكتب فيه هذا المقال، هناك غابة بحجم مدينة كبيرة بضواحيها وباديتها لم تعد موجودة. إن الكثير من الناس يحتاجون إليها من أجل التدفئة، آخرون من أجل صناعة الورق. لكن المشكلة لا تكمن هنا فقط، فالمشكلة أن الغابة التي تختفي الآن من الوجود، لها دور أساسي في توازن بيئتنا biosphere ، إنها العطية التي منحها لنا الله من أجل إنتاج الأوكسيجين انطلاقا من غاز الكاربون . وكل حي يحتاج إلى الأوكسيجين لكي يعيش. فما الذي سيحدث إذا استمر تدميرنا للغابات ؟ سيكون من غير الممكن استمرار الحياة. لكن من الذي يدمر الغابات ؟ إنه الإنسان. لماذا يدمرها ؟ إنه السؤال الذي يجب أن نطرحه.
هناك مشكلة عالمية ثالثة تبدو لي من الأهمية بمكان ، تلك المشكلة هي مشكلة التناحر العرقي والعقدي الذي يعيشه عصرنا. فقديما ، كانت الحروب تقع بين الشعوب ، لكنها لم تكن لتبلغ هذا الحجم .وإذا أخذنا كمثال ما يقع لشعوب العالم العربـي والإسلامي ، فإننا نقف على هول كارثة إنسانية قل نظيرها. لقد تكالبت كل القوى ، وتعاظم خطرها . وأصبح العالم العربي والإسلامي يعيش على خطر المحو والتدمير. وإذا طرحنا السؤال : من الذي يحدث كل هذا الدمار ؟ إنه إنسان القرن الواحد والعشرين ؟ وبسبب ماذا يحدث كل هذا التدمير ؟ إنه السؤال الذي ينبغي أن نطرحه .
وجوابا عن هذا السؤال الكبير ، لنقل إن الأمر هنا لا يتعلق بمجرد التدمير ، كما كان الشأن بالنسبة لتدمير الغابات . بل إن الأمر أعظم من ذلك ، فتدمير الإنسان لا يتعلق بمجرد التدمير المقصود لذاته وبغرض تحقيق غاية ما ، بل ومن أسباب تدمير الإنسان خصوصية الهوية ، أو اختلاف الهوية ، هذه الخصوصية التي تدفع بسبب قوتها إلى محاولة إذابتها ، ومن ثمة يسهل استيعابها أو إقصاؤها . وفي الواقع ، فتدمير الإنسان ، ليس هو مجرد قتل للإنسان ، مثلما أن حرق غابة ليس هو مجرد حرق للخشب . وإذا كان حرق الغابة يعني إتلاف مصدر من مصادر الحياة ، فإن قتل الإنسان وهو يعني إتلاف حيوات يعني أيضا القضاء على الهوية .
ثمة إذن أكثر من سبب يدفع الإنسان إلى إتلاف محيطه . وهنا تكمن إشكالية لقاء العولمة برسوخ الهوية ( أو الهويات ) الثقافية لشعوب ساكنة المعمور التي خلقت لتتعايش وتتساكن في كوكب نسميه الأرض . لكن ، ونحن ننتقل بين العولمة وحضور الهويات ، أو من حضور الهويات إلى العولمة ، يجب أن نعترف أننا نعيش في وضعية صعبة وخطيرة جـدا .إن كل ما يقع من حولنا ، يجب أن ينبهنا : مظاهر العنف كيفما كان نتائجها الاقتصادية أو الاجتماعية . فمن بين الملايير الستة من الأفراد الذين يعيشون فـوق كوكبنا ، ثلاثة ملايير منهم ، أي نصفهم ، يعيشون العوز وتحت سلم الفقر، ويعيشون محرومين من وسائل الحياة الأساسية والحيوية كالغذاء والماء والكهرباء .
نحن نتحدث عن الاكتشافات التكنولوجية ، وعن المكانة التي تحتلها تكنولوجية المعلومات بيننا، ونتكلم عن الهاتف المحمول ، وعن الأنترنيت ، نعم ، ولكن يجب أن نقول أيضا إن ثلاثة ملايير من الساكنة لم يستعملوا الهاتف ولو لمرة واحدة أبدا ، ولا يعرفون ما الذي يمثله الهاتف .
أيضا ، فإن نسبة العمر هي بين خمس وسبعة وثمانين سنة حسب البلدان. وحتى بالنسبة للبلدان المتقدمة ، هناك نفس الاختلالات بين الأغنياء والفقراء . هذه هي تحديات العصر التي نشعر بها ونحملها في وعينا ولا وعينا.
ما الذي نفعله أمام هذه المشاكل الكبيرة وأمام هذه التحديات الأكبر؟ إن كل هذا يدفعنا إلى الحديث عن شيء نسميه المكونات الأساسية للإنسان ، أي عما يحدده ، سواء من الناحية الثقافية أو الاجتماعية أو العقدية . هذا ما نصطلح عليه بالهوية (أو الهويات )، التي بلقائها مع ظاهرة العولمة تشكل إحدى الإشكاليات التي ينبغي طرحها ومناقشتها والخروج بخلاصة تنير لنا الطريق . وما سنقوم به لاحقا سيشكل العناصر الأولى لرؤية حضارية تأخذ بعين الاعتبار مكونات الهوية وقضايا التطور المعاصر.
* * *
2- في مفهوم الهوية :
ما هي المكونات الأساسية للهوية (أو الهويات) ؟ هل ستبقى للهوية (أو للهويات) من ضرورة للشعوب والأمم في زمن العولمة ؟ أم أن مصير الهوية ( أو الهويات ) سيكون هو الاجتثاث ؟ وكيف سنتصور العالم في هذه الحالة ، أي عندما يصبح بدون هويات ؟
لننتقل إذن إلى مفهوم الهوية الذي هو العنصر الثاني من مداخلتنا والذي سيشكل بالنسبة للموضوع المطروح أمامنا النول الذي ننسج عليه نسيجنا ، وذلك لمحاولة تحديدها وتعريفها . ولنطرح الأسئلة التالية : ما مصير الهوية ( أو الهويات ) في زمن العولمة ؟ هل ستختفي كل خصوصيات الشعوب في هذا الزمن ؟ هل سيتم محو واجتثاث كل تراث الإنسانية العظيم : تراث اليونان والفرس والعرب والمسلمين والهنود من كل الخارطة ويتم تعويضه بما ينتجه زمن العولمة ؟ وكيف سيكون مصير العالم في هذه الحالة ؟ إنها أسئلة تقض الضمير وتطرح عدة تساؤلات ، بل وتكاد تشير ضمنا أو بشكل صريح إلى أخطار وكوارث ؟
لكن قبل أن ندخل في لب هذا الموضوع الحساس- موضوع الهوية ، يجب أن نقول كلمتين بسيطتين عن مفهومين أساسين : مفهوم " الزمن " ومفهوم " العلم ".
مفهوم الزمن :
فقد قال أحد الفائزين بجائزة نوبل " إن الزمن هو الشيء الذي يمضي عندما لا شيء يمضي ".
واليوم ، كثيرة هي الأشياء التي تمضي ، ويبقى الزمن هو الأقنوم الأساس . يصبح الزمن إذن معطى أساسيا ، إنه يصبح ذي قيمة كبيرة . فهناك قمع فظيع يصدر من الزمن، ذلك أن مبادرة لا تتمكن من أخذها في الوقت المناسب ، يمكن أن تكون لها ، عليك وعلى الذين يحيطون بك وعلى الإنسانية جمعاء ، عواقب وخيمة . فالزمن يجب أن ينظر إليه نظرة أخرى ، ويجب أن نستعمله بطريقة أخرى .
مفهوم العلم :
الملاحظة الثانية التي يجب علينا سوقها هنا ، هي أن العلم واكتشافاته المتعددة والخارقة ، كان لها تأثير هام جدا على سلوك الناس وعلى تحليلاتهم . وإذا كنا اليوم نستطيع أن نقبل بعض الاكتشافات الخارقة ، فإن الأمر اختلف بالنسبة لبعض الاكتشافات التي حدثت في أزمنة لها خصوصياتها ، ولم يكن الاعتقاد بها بالأمر السهل ، لنتذكر اكتشاف غاليلي لدوران الأرض حول الشمس ، فعندما اكتشف غاليلي في منتصف القرن السابع عشر أن الأرض تدور حول الشمس ، كان مصيره الإعدام . وتم إحراق كتابه . والحال أنه كان يقول الحقيقة . أكيد أن هذا الاكتشاف الذي قام به غاليلي هو الذي أظهر في النهاية وجود نظام على مستوى الكون ، وأن الكواكب لا تدور كيفما اتفق ، وأن هناك تنظيما عجيبا لحركة كوكبنا حول الشمس ، وأن الفصول كانت هي التفسير المنطقي لذلك . إن مستثمري القرن السابع عشر ورأسمالييه مثل مستثمري ورأسماليي اليوم هم بشكل من الأشكال ورثة غاليلي وورثة المكتشفين الجدد .
لماذا ؟ سأشرح ذلك . لقد كان الناس ، يعتقدون قديما ، بالظواهر العجيبة ، وبقوة المنطق . وبفضل العلم ، استطاع الناس أن يخاطروا . كان لهذا الأمر ، من جهة ، نتائج إيجابية ، ومن جهة أخرى ، نتائج سلبية ، وتم استغلال النتائج كلها ، إن في شكلها السلبي أو في شكلها الإيجابي . وقد نتج عن هذا أيضا في الغرب التفكير الذي يرتكز بقوة على الاكتشافات العلمية للقرنين السابع عشر والثامن عشر . لقد ولد ذلك رؤية ميكانيكية عن العالم الذي يؤدي حتما إلى اقتصاد مؤسس على الاستهلاك الذي نعرف اليوم بعضا من نتائجه السلبية والانحرافات الناتجة عنه (التسلح ، والتلوث ، والفروق الاجتماعية ، والحروب ...).
واليوم ، يمكن القول إن الميكانيكية الكلاسيكية التي سادت من قبل ، أصبحت اليوم متجاوزة، ولم يعد لها أي معنى . لقد تم استبدالها بالميكانيكية النسبية التي بدورها كان لها تأثير أساسي على طرق مقاربتنا للمشكلات .
لنقل إنه زمن النسبية بامتياز ، وزمن التشكيك في كل شيء بامتياز كذلك . هذه هي النظرية الجديدة التي أصبحت تسكن رؤوس المسيرين والمسؤولين ، والصنم الذي أصبح معبودا أكثر من غيره من أصنام العالم المعاصر. والنتيجة ، أن رؤيتنا للخطر وللزمن بدأت تتغير ، لقد أصبح التعقيد والتشابك يحل محل الخطية والوضوح .
لقد بدأ هذا التعقيد يأخذ كل أبعاده خاصة عندما بدأنا نحن نتحدث عن العولمة . فإذا كنا نعتقد أن عالمنا هو عالم كوني صغير أو قرية صغيرة كما يسميها العلماء ، وأنه عالم متغير وغير ثابت، فكيف يكون رد فعلنا على العولمة ؟ نحن لا نملك شيئا إلا أن نحلل الظواهر . ولا نملك من الحلول إلا أن نقول إن كل ما يوجد حولنا هو مترابط : الأرض، والإنسانية ، والعلم ، والتكنولوجيا ، والكوارث ، والأخطار ...كل هذا هو متداخل ومترابط .
إننا وكأننا نسبح في نهر . لنا أن نختار بين أن نسبح مع التيار أو أن نسبح ضد هذا التيار . لكن، عندما يكون التيار قويا وجارفا إلى حد كبير ، سيكون من المثير والخطير ، بل ومن البلادة وقلة العقل ، أن تسبح ضد التيار ، وفي حال اختيارنا السباحة ضد التيـار ، فإننا ستبذل مجهـودا لا يقدر، ومن دون فائدة ، وفي الأخير ستنتهي بالغرق ، وستنتهي الحياة بالنسبة لك عند ذلك الحد .
فهل هذا التيار الجارف والقوي هو ما أصبحنا نسميه بالعولمة ؟ وهل سنحاول نحن بذاتنا المالكة لخصوصياتها ولهويتها القومية والعقدية المحددة بمكوناتها ، أن نضع أنفسنا ضمن هذا التيار الجارف والقوي بدخولنا زمن العولمة ؟ أم ترانا سنحاول السباحة ضد هذا التيار متقوقعين على ذاتنا بكل خصوصياتها ؟ أم هناك حل آخر يجب البحث عنه وجعله خشبة النجاة التي تقينا من شرور عالم متربص بنا ؟
تلكم هي الأسئلة التي يفترض أن نجيب عنها ، وهي أسئلة كبيرة جدا ومفروضة علينا بقوة ، ونحن لا نملك إلا أن نقول : لا مفر من هذه الأسئلة ، ولا مفر لنا من طرحها.
ولكن قبل ذلك لنحاول أن نعرف ما إذا كنا لوحدنا ندافع عن الهوية ، أم أن هناك أمما وشعوبا أخرى تحاول بدورها أن تدافع عن هويتها .
* * *
الهوية مسألة جميع الأمم :
الملاحظ أن مسألة الهوية ليست محض مهمة عربية إسلامية فحسب ، ولكنها مهمة كل دول المعمور ، بل والدول الكبرى كذلك . ذلك أن الكثيرين يخشون على ضياع هويتهم وخصوصيتهم من امتداد العولمة هذا الامتداد الكاسح ، ويعارضون خطابها بخطاب مضاد يهاجمون فيه المدافعين عنها، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية ، ويشيرون إليها على أنها لا تسعى من وراء عولمة العالم إلا إلى "أمركته" وصياغته على شاكلتها .
فرنسا ومفهوم الهوية :
ولعل المنظرين الفرنسيين هم أكثر الأوروبيين دعوة إلى التحفظ من هذه العولمة المجازفة ومن أخطارها ، وهم الأكثر حرصا من غيرهم على حماية هويتهم من مخاطر ابتلاعها من لدن العولمة التي ينعتونها بالمتوحشة . ويشارك في هذا الخطاب حتى شخصيات فرنسية حكومية تقتعد أعلى مستوى في القرار . ويصف بعضهم الغزو الفكري الأمريكي بأنه إمبراطورية جديدة فضاؤها العالم كله بلا حدود.
وتنوع فرنسا خاصة مجال مقاومتها لهذا الغزو ، فتفرض الحكومة الفرنسية على قنوات التلفزيون الفرنسي أن يخصص 60 % من برامجه للإنتاج الأوروبي حتى لا يطغى عليه الإنتاج الأمريكي . كما أصدرت الحكومة الفرنسية تعليمات بحجب المساعدات المالية والمادية عن جميع التظاهرات الثقافية الفرنسية التي لا تجعل الفرنسية لغة أعمالها .
وهناك اتجاه في فرنسا لوضع قانون يمنع على المسؤولين الحديث في التظاهرات العامة بغير اللغة الفرنسية . وغير بعيد ألحت فرنسا – تكريما لهويتها وتمجيدا للغتها – أن لا ينتخب على رأس الأمانة العامة لهيئة الأمم من لا يمتلك اللغة الفرنسية .
ودفاع فرنسا عن هويتها وخصوصياتها في مواجهة عولمة بدو حدود هاجس يؤرق المثقفين والمفكرين والساسة ، حتى يمكن القول إن فرنسا تجتاح أزمة هوية وصفها البعض بأنها "أزمة عصيبة جماعية" نتيجة طغيان الثقافة الأمريكية الناطقة باللغة الإنجليزية على ثقافتها ولغتها وعلى حساب تقلص دورهما عبر العالم . وفي ذلك كتب ميشيل سيريس :" إن الأغنياء وصانعي القرار في فرنسا أصبحوا لا يتحدثون إلا بالإنجليزية . أما الفرنسية فقد أصبحت لغة الفقراء والعامة " [3][3].
وفي آخر قمة شهدها الرئيس ميتران في آخر عمره للدول الناطقة بالفرنسية ، دعا المؤتمرين إلى " مساعدة فرنسا على الدفاع عن لغتها وهويتها في مواجهة الغزو الفكري الأمريكي "[4][4] .
أما وزير الثقافة الفرنسي ، فقد شن حملة على الولايات المتحدة في اجتماع اليونسكو بالمكسيك قائلا :" إني أستغرب أن تكون الدول التي علمت الشعوب قدرا كبيرا من الحرية ودعت إلى الثورة على الطغيان ، هي التي تحاول أن تفرض ثقافة شمولية وحيدة على العالم أجمع " . وأضاف : " إن هذا شكل من أشكال الإمبريالية المالية والفكرية لا يحتل الأراضي ولكن يصادر الضمائر ومناهج التفكير واختلاف أنماط العيش " [5][5] .
ولقد ذهب الرئيس شيراك في الدفاع عن نمط العيش الفرنسي إلى حد أنه عارض أن يقام مطعم "ماكدونالد" في برج "إيفل" ليظل فضاؤه على الأقل منفردا بنمط العيش الفرنسي [6][6] .
* * *
لا شك إنها حرب باردة لم تعلن عن نفسها ، وهي حرب محتدمة عبر العالم في مجال الحفاظ على الهوية الوطنية ، يسجل فيها أنصار العولمة الشاملة ضربات للهوية لم ترق بعد إلى أن تكون قاتلة ، ولكنها تنال منها إن بهذا القدر أو ذاك ، ويسجل أعداء العولمة نقطا تضاف إلى رصيدهم ، لكنها ليس كافية .
* * *
هويتنا نحن والعولمة :
ولكن ، لنعد إلى موضوع العلاقة بين العولمة والهوية ، خاصة فيما يتعلق بالشق الذي يهمنا نحن أكثر وهو الشق المتعلق بهويتنا . ولعل أول ما يجب القيام به ، هو تحديد الهوية والتعرف على مكوناتها . إن الشيء الذي يمكن قوله في هذا الباب هو أن الهوية (ونحن هنا نتحدث عن الهوية العربية الإسلامية) هي مجموع المكونات التي تشكل الشخصية العربية الإسلامية ، وهي ذات المكونات التي تراكمت عبر الأزمنة والأحقاب .
الهوية هي العقيدة واللغة والحضارة والمصير:
وفق ذلك ، فإن هويتنا التي أصبحت تدل علينا ، هي كل ما تراكم ، عبر السنين والأحقاب ، من قيم وسلوكات وعادات ... وهي التي تجعلنا نعيش وفق نسق حياتي يخضع بالدرجة الأولى إلى مكونات أساسية يمكن أن نجملها في : العقيدة واللغة والحضارة والمصير.
العقيدة باعتبارها أنساقا وأوامر ربانية واعتقادات لا تقبل الشك أو الرجحان هي ثابت من ثوابت الأمة . ولا يمكن لأحد من هذه الأمة أن يشكك في هذا الثابت مهما كانت قدرته وقوته . وقد ترسخ ثابت العقيدة في القلب والوجدان حتى أصبح لصيقا بهما لدرجة يستحيل أن ينتزعا منهما. بهذا الثابت بنيت الحضارة الإسلامية ، ومن هذا الثابت حلق العقل الإسلامي في ملكوت الكون. لم تستطع لا الفلسفة ولا التفكير الإسلامي ولا الإبداع ولا مختلف العلوم أن تحلق خارج هذا التحديد الذي بقي يمثل الإطار الذي تنسج في داخله مختلف الإبداعات مهما كان التصاقها بنفسية الإنسان وطبيعته النازعة إلى التجديد والإبداع .
أما اللغة فهي ذلك الوعاء الذي تجسدت فيه ومن خلاله مختلف الأفكار والتصورات والتوجسات والإحساسات التي عبرت عن هذا الكائن الذي نصطلح على تسميته بالكائن العربي ، والحامل لمواصفات وخصوصيات هذا المخلوق البشري الذي كلف بإعمار الأرض والخلافة فيها ونشر مختلف إبداعاته فيها . إن اللغة التي هي اللغة العربية ، بما حملته من عناصر الإبداع ، وبما اختزنته من كنوز معرفية وعلمية ، وبما تمثله من تبليغ وبلاغة ، وإن كانت مجرد وعاء ، إنما تحمل خصوصية هذا الإنسان.
وأما الحضارة فهي كل ما نتج عن الممارسات الأدبية والفكرية والفنية التي نشأت عن مجموعة بشرية في مكان وزمان محددين ، أو هي بعبارة أخرى نتائج العمل الباهر والكبير الذي شارك فيه آلاف العباقرة في مختلف المجالات والأصعدة : في العلوم والآداب والطب والهندسة والفكر . وبالنسبة للحضارة العربية الإسلامية ، فهي التي أخرجت الأمة العربية والإسلامية من عالم العوز الفكري وقادتها نحو عالم التحضر والبناء ، وهي التي مكنتها من الانفتاح على حضارات أخرى مختلفة عنها كل الاختلاف مثل حضارات الفرس والهند والصين واليونان والإغريق وغيرها من الأمم الكبيرة ، وهي التي كانت العنصر الأساسي لنشوء وبروز وتطور الحضارة الغربية التي بدأت تتلمس طريقها في القرن السادس عشر وكونت قاعدتها العلمية ابتداء من هذا التاريخ إلى أن وصلت إلى تطور رهيب بدأ يقودها نحو ما نسميه بالعولمة .
وأما المصير فهو السيرورة التي تتطور عبرها كل أمة من الأمم ، أو المسار le processus الذي لا بد أن تسير فيه أمة ما ذات خصوصيات معينة ، انطلاقا من المعطيات المحيطة بها كأمة من مهامها أن تستمر في الوجود ، وأن تشارك فيه من جهة ، وأن تحافظ على هويتها ورسالتها وأن تبلغهما إلى الآخرين من جهة أخرى .
هذه هي محددات الهوية التي لم يعد يدور حولها خلاف . وهي المحددات التي تسكن كل فرد من هذه الأمة ، وتوجهه نحو أهداف وغايات محددة .وهي التي تحافظ على التوازن المطلوب لكل حياة الأفراد والشعوب .
* * *
هل هويتنا في خطر ؟
والآن ، لنطرح السؤالين التاليين الآن : هل توجد هويتنا العربية والإسلامية في خطر أما م زحف العولمة ، إن تشويها أو اجتثاثـا ؟ وهل بمقدورنا أن نحافظ على الهوية ومكوناتها الأساسية في ظل استشراء مظاهر العولمة في عالمنا العربي الإسلامي ؟
هذه هي الأسئلة التي تقض مضاجع المفكرين والمثقفين ، وربما قادة الأمة العربية والإسلامية ، وذلك بما يمثله الجواب عنها من أهمية .
* * *
لنقل إننا نوجد أما م تحد خطير يواجهنا ، خاصة وأننا نحن العرب – كما يقول المفكر اللبناني جورج قرم – " نعيش حالة تشردم ووهـن منذ انهيار الامبراطورية العثمانية " [7][7] . ولعبور هذا التحدي يلزمنا الكثير من الوسائل التي تتيح لنا إمكانية الخروج من هذا المأزق . ومما يزيد في صعوبة هذه الإمكانية ويجعلها شبيهة بالمستحيل ، أننا نشكل لقمة شهية وسهل اقتناصها . فكوننا نملك ثروات هائلة من الأسباب التي تشهي دول العالم فينا ، وكوننا أمة ضعيفة وغير مهابة الجانب يتيح لأعدائها إمكانية السطو عليها .
إنه ظرف استثنائي ، تعيشه الأمة العربية والإسلامية . وخطورة هذا الظرف تأتي من كونها تعيش أزمة مزدوجة : فهي من جهة تشعر بأن هويتها لم يمسها الخطر في أي وقت من الأوقات مثلما مسها اليوم ، وأنها أصبحت بالتالي معرضة أكثر من أي زمن مضى إلى الاجتثاث إذا هي تخلت عن خصوصياتها العقدية والاجتماعية والثقافية . وهي من جهة أخرى تشعر أنها كأمة معرضة للزوال إذا هي عجزت عن مواكبة العالم ضمن الأطر الجديدة للعالم المعاصر . ومعنى ذلك أن على مثل هذه الأمة أن توازن في اختيارها الاستراتيجي بين الطريقين المتباينين : طريق حماية الهوية وطريق ضرورة العولمة ، فهل بالإمكان الاختيار بين الطريقين مع أقل الأضرار .
* * *
لنسأل أنفسنا : هل هويتنا مهددة اليوم ؟ والإجابة الحتمية هي بالطبع نعم . لأن كل ما يدور حولنا ، وكل ما نشاهده من مظاهر الحياة يؤكد بالملموس أن ما نصطلح عليه بالهوية يكاد يختـفي من جراء سلطة العولمة وسطوتها . بل إن ما يفرض نفسه أكثر من مظاهر سلوكية واجتماعية وثقافية في المجتمعات العربية الإسلامية هو ما ينتمي إلى ثقافة الغرب ، إلى خلفيات وأطر معرفية أخرى .
وقد مس التغيير حتى المناطق الأكثر حصانة منا ، ونعني بذلك ما يتعلق بعقيدتنا الراسخة . إن خوفنا من اندثار قيمنا يزداد يوما عن يوم . والحال أن ما يثير المخاوف يتعلق ببروز تحولات تغير وجه العالم وتقطع صلة الحاضر بالماضي . ولعل الدول الحديثة النشأة ، تلك التي لم تضرب حضارتها في أعماق التاريخ لا تتخوف على هويتها لأنها حديثة ، ولا على حضارتها ، لأنها ناشئة ، ولا على تراثها لأنها بلا تراث ولا موروث ، ولا يتقاطع فيها الحاضر مع الماضي الزاهر الذي تفتخر به وتستمد قوتها منه للدخول في المستقبل برصيده .
أما الحال بالنسبة للأمة العربية الإسلامية ، فهو حال يختلف اختلافا بينا عن حال الأمم الأخرى، الناشئة منها على وجه التحديد . إنه حال من يمتلك كنوزا عظيمة ، ويجب أن يخسرها إن هو اختار الانتقال إلى مكان آخر . سيصبح حينئذ فقيرا ومعوزا . والكنوز المقصودة من حديثنا ، هي بالدرجة الأولى القيم التي تواترها الأحفاد عن الأجداد. وهي القيم التي تجعل حياتنا متوازنة وسهلة ، وتجعل أعمالنا مقبولة في الأرض وفي السماء .
إن القيم أساسية في حياة الشعوب والأمم ، وخاصة في حياة أمة كالأمة العربية والإسلامية . ولقد ذهب الدكتور المهدي المنجرة في إحدى حواراته إلى حد القول : " إن العالم يعيش اليوم حرب قيم ، ومن يستطيع أن يفرض قيمه يكون الأقوى حضاريـا " [8][8]. وإذا كانت القيم هي كل ما يشد الإنسان إلى مجتمعه ، ويقويه ، ويربطه بأفراده ، ويجعله يعيش التوازن المطلوب ، فمن الجائز أن نتساءل مع بعض المفكرين ، وأن نطرح بالتحديد مع د.المهدي المنجرة ، هذا السؤال الهام : " كيف تعيش الأجيال القادمة وهي مفرغة من قيمها ؟ هذه هي مشكلتنا الرئيسية " [9][9] .
نعم ، كيف ستعيش أجيالنا الموجودة والقادمة بلا قيم ، ونحن نعرف الأهمية القصوى للقيم التي هي كل ما يربط الإنسان بالكون والخالق والإنسان . الأكيد أنها ستعيش على الهامش ، وأن مجتمعها سيصبح مجتمعا تابعا فحسب . و لا شك أن إنجاح الدخول في عالم العولمة يعني دخول أفرادها كمشاركين وليس كتابعين ، ذلك " أن عالمنا العربي يريد أن يدخل في إطار النظام العالمي الجديد مشاركا وليس تابعا ، عضوا فعالا وليس متهما ، قادرا على اتخاذ القرار الذي يناسبه وليس خائفا أو شاعرا بالذنب " [10][10]. إذن ، فالحري بنا أن نحافظ على كل القيم التي رسخت في ذهننا . وحري أيضا أن يتم التأكيد على دور التعليم ، والمدرسة ، وعلى العنصر البشري كما يرى د.المهدي المنجرة [11][11].
من اللافت للانتباه أن تعليمنا الذي يعتبر أساس التنمية والنهضة في حاجة ماسة إلى تطوير . إنه الركن الأساس الذي يمكن أمتنا من تحصين نفسها ، ومن غرس قيمها في النشء بأسلوب علمي وعقلاني. ومؤكد أن مسلسلات الإصلاح التي همت التعليم في مختلف البلدان العربية ، من محيطها إلى خليجها ، لا تزال في حاجة إلى تطوير . لقد تم ، في معظم الأحيان ، الاهتمام بالإصلاحات الشكلية والسطحية ، وغاب الإصلاح الحقيقي الذي يضمن للأجيال الجديدة ، زيادة على الحق في التعليم ، الحق في جودة التعليم الذي يمكن من تحقيق الشخصية السوية ، وتحقيق علاقة سوية مع النفس . لقد ذهب المفكر البحريني د. محمد جابر الأنصاري وهو يوضح كيف أننا نعيش مشكلة مع أنفسنا قبل أن نعيشها مع الآخر/الغرب أو العولمة ، إلى طرح السؤال التالي : " هل نحن في "علاقة مشوهة" مع النفس؟" ، وهو سؤال منطقي ومعقول ، ذلك أن ما يراه الأنصاري فارضا نفسه هو " قبل كل شيء لحظة المواجهة مع النفس أولا ، المواجهة مع النفس ، من أجل المصالحة مع النفس ، بكل أبعادها الجمعية والفردية ، التاريخية والحضارية ، المجتمعية والسياسية " [12][12] . وأن مثل هذه المشكلة تقتضي في المقام الأول ولكي نعيش عصرنا ، ونقاوم أعداءنا ، ونصير فعالين في مجتمع العولمة ، أن نكون "قادرين على الاعتراف بأننا نعيش "علاقة مشوهة" مع الغرب ، إننا نعيش الصراع الحضاري الذاتي مع الموروثات المتعارضة المتراكمة عبر عصور تاريخنا المزهر " [13][13] .
إن حضارة المستقبل كما يرى الكثير من العلماء والمفكرين ، الغربيين والعرب ، أصبحت تقوم في تاريخنا الراهن ، على الثروة البشرية ، أي أنها أصبحت كما يقول المهدي المنجرة " تعتمد بشكل أساس على الإنسان ، وليس على المزرعة ولا على المصنع ، إنها حضارة المعرفة ، والبحث والمعلومات والتقنيات " [14][14] . من هنا ، فقد بات من الضروري أن تكون العناية بالإنسان في المقام الأول ، ومن هنا أيضا ، " يحتاج العقل العربي إلى نوع من "المأسسة" ، أي إلى المؤسسات التي تنظم المعلومات والمعارف وتوثقها ، وتكون على اتصال مع مراكز الأبحاث في العالم ليس لكي تقلد ما توصلت إليه ، وإنما لتناقشها وتستفيد منها " [15][15].
ليس معنى ذلك أننا يمكن الدخول إلى العولمة بالطريقة التي ظللنا نجترها منذ بدايات القرن العشرين ، أ ي بالشعارات الزائفة ، والخطب الرنانة ، ولكن الدخول إلى هذا العالم لن يتحقق إلا بالعمل الشاق . وكما يقول د.منح الصلح : " فليس بالشعارات القومية وحدها تحيا الأمم ، ولكن دون مبدأ التكتل على أساس القومية والعروبة ، مضافا إليه شرط المعاصرة ، لا سبيل إلى دخول هذا النظام العالمي الجديد المقفل أمام طامعين : عصراوي يترك جذوره ليدخل هذا العالم ، وماضوي يرفض التحلي بقيم العصر .كلا الطامعين لا يستطيع الدخول إلى هذا النظام العالمي الجديد . وإنما يكون الدخـول إلى هذا النظـام بالتمسك بسر العصر والجذور معا "[16][16]. هذا ما يؤكد أننا في حاجة ماسة إلى التأكيد على أهمية القيم في عالمنا المعاصر ، وأن المجتمع الذي يخلو منها سيكون شبيها بالآلة الصماء، من هنا ، فإن من مهام النخب الثقافية والفكرية والسياسية ، كما يرى د. المهدي المنجرة إدراكها " بأهمية القيم الحضارية ، والهوية الثقافية لمواجهة الغزو الثقافي الوافد "[17][17].
مؤكد أيضا ، أن من سمات العالم الجديد ، كونه معقد المظاهر ، وعصي على الإمساك به ، وأن من نتائج هذه التعقيدات أننا صرنا نرى إليه نظرة خاصة ، تلك النظرة التي أشار إليها الفيلسوف الكبير د. فؤاد زكريا في مقالة دالة بعنوان "الغرب ذلك المتآمر الأزلي !" [18][18] . والحقيقة ، أننا ، وحسب د. فؤاد زكريا ، بالغنا في تعظيم حجم المؤامرة ، والصحيح أنه ينبغي أن ننظر بموضوعية تامة إلى الحجم الحقيقي للغرب ، وأن نصرف نظرنا عما يسمى بـ " المآمرة " ، وكما يقول د.فؤاد زكريا: " فإن أحدا لا يود أن يبرئ الغرب من محاولات السيطرة على العالم ، ولكن هذه المحاولات لا تنجح إلا في نقاط الضعف على سطح كوكبنا الأرضي . وأحسب أن من أشد مظاهر الضعف أن نستسلم لفكرة المؤامرة الغربية ضدنا نحن بالذات ، وننسى أن المواجهة الحقيقية لكل مؤامرة إنما تكون بالعمل الشاق ، الدائب ، من أجل أن نبلغ المستوى الذي نغدو فيه أندادا للغرب ، ثقافيا وعلميا وتكنولوجيا وسياسيا " [19][19] .
وغني عن البيان أن مثل هذه النظرة لم تكن إلا نوعا من المقاومة للعالم المحيط بنا ، وهي إضافة إلى أنها كما يقول بول هيرست وجراهام طومبسون "سياسة الخاسرين" ، فإن "نجاحها كمشاريع سياسية لن يحقق في الواقع سوى تهميش مجتمعاتها" [20][20]، لأن " التشديد على التجانس الإثني أو الثقافي أو الديني قد يقوم مقام تعويض ثقافي عن الفقر ، أي مقام أفيون لمن يعانقون التخلف الاقتصادي ، لكنه ليس ترياقا للشفاء منه"[21][21] .

من حماية الهوية :
طبيعي أنه من المستحيل أن نوقف التاريخ. لكن من الممكن حماية الهوية. ولكي يتم دلك فإن أول ما ينبغي تحقيقه في المقام الأول إعادة النظر في التربية والتكوين. إن الهدف من التربية والتكوين هو أمر مستقل عن أهدافنا . فنحن كيفما كانت اتجاهاتنا وتخصصاتنا العلمية ، فلنا دائما أهداف أساسية نريد تحقيقها. ومنها تحقيق التكوين السليم للأجيال حتى تتمكن هي نفسها من حماية هويتها.وسأحاول فيما يلي باختصار استعراض ما ينبغي أن يعمل في هدا الاتجاه.
1- تطوير القدرة على الفهم :
إن القدرة على الفهم ، وتعلم الفهم يتحقق ما بين السنة الأولى والسنة العاشرة من عمر الإنسان. حيث يتحقق بناء الذكاء . إذن في هاتين السنوات يجب علينا أن نطور القدرات على القراءة والاستماع والفهم . وسيصبح من الصعب جدا أن نحقق هدا الهدف بعد هذا العمر . وبتعبير آخر فإن التربية العائلية والمدرسة الأولية والابتدائية يصيران من الأهمية بمكان. فهده المؤسسات هي التي تشكل في آخر المطاف الذكاء والشخصية .
وقد فهم ابن سينا هدا الأمر قبل أن يطرح المشكلة الفيلسوف بياجي Piaget . وقد كتب الكثير حول التربية كما طور نظرية تتعلق بالطرق التعليمية والتربوية التي تهم الطفل ، سواء في كيفية استعمال الذكاء الطبيعي أو في كيفية تشغيله . واستعمال الذكاء يشبه إلى حد بعيد عملية توليد الماء ، فعندما يكون أمامك الأوكسيجين والهيدروجين ، فيمكن أن تجمع بينهما ، لكن يستحيل أن تصنع منهما الماء.يجب في الحالة هده التوفر على محول catalisateur ، هدا العنصر الكهربائي الذي يمكن درة الأوكسيجين ودرتي الهيدروجين من الاختلاط ومن توليد الماء. والدراسات الحديثة للعقل تبين أن هدا الأخير يتطور بالعلاقة مع الطريقة التي يتم بها استعماله. ما نريد قوله في الأخير أن التربية التي نتلقاها تؤثر على تطوير ذكائنا وعلى منطقنا الأخلاقي، وتؤثر أيضا على قدرتنا على الاحتفاظ بهويتنا.
بناء الفكر النقدي:
الأمر الثاني الذي يبدو ضروريا من أجل تطوير التربية والتكوين من أجل حماية الهوية من أخطار العولمة هو تأسيس الفكر النقدي، الفكر النقدي الذي يعني تعلم الشك ثم التنسيب وعدم استعمال هده العبارة الخطيرة :" أنا محق إذن فأنت على خطأ". والفكر النقدي يعني تعلم الإنصات والتأويل وتكوين الرأي الشخصي. هدا ما نسميه الفكر النقدي. وبدون هدا الفكر لا يمكن تطوير التكوين السليم . وفي الحالة المعاكسة لا يمكن أن نكون إلا مجموعة من العقول الروبوتية ، أي أشخاص يستعملون أفكار الآخرين. غير أن عالمنا يتطلب درجة من النسبية، والدي نحتاجه هو نوع من الشخصية والأفراد يقولون : فهمنا ما تقول ، لكن لنا موقفنا الخاص، ومن الممكن أن يكون مختلفا عن موقفك ، لكنني أحترم موقفك ويجب أن تحترم موقفي. عن طريق هدا النوع من التفكير تطور العلم كما تطورت الديمقراطية.
الفكر النقدي ليس شيئا يولد مع الإنسان. بل يجب تشكيله وتكوينه.وإذا حاولنا التعرف على ماضينا العربي والإسلامي، سنجد معلمين أفذاذ . والمؤسف أن الغرب هو الذي طور قدرته وسلطته بناء على أعمال الفلاسفة العرب والمسلمين من أمثال ابن سينا والكندي والفارابي وغيرهم. والحالة هده أن العالم العربي تجاهل كل هده الجهود وانغلق على نفسه أو على تقليد الغربيين. لقد تطورت كل العلوم ، بل والديانة المسيحية نفسها، وهما يستعيران من العرب علمهم وطرقهم المؤسسة على التفكير النقدي. وقد نتساءل ما الذي وقع لنا ؟ إن ما وقع هو أننا تخلينا عن الفكر النقدي واتبعنا قشور الغرب.
2- تنمية الفكر التركيبي :
إن الأمر يتعلق هنا بعملية بسيطة ، تتلخص في قدرتنا ، عن طريق نص ما ، على استخلاص جوهره ، بإعمال العقل والتجريب والتجربة. ومن المؤسف أن نلاحظ أن طلبتنا في الجامعات وأطفالنا في المدارس لا يعرفون ما معنى التركيب، ويعجزون عن توضيح ما كان معقدا بدرجة ما. إن أمرا كهذا لا يمكن قبوله في القرن الواحد والعشرين.

4-تطوير القيم السلوكية :
وهي القيم المتعلقة بالحس بالمسؤولية الفردية والجماعية ، وبالمسؤولية بالمخاطرة ، دلك أن الحياة والعالم يتأسسان على هذين المبدأين :" فالذي لا يخاطر لا يربح شيئا ".

5- الاتصاف بالنزاهة :
وهدا مبدأ اختفى تقريبا من الحياة. وهو يعني أنه يجب أن نكون نزهاء مع أنفسنا أولا ، أي أن نحكم على أنفسنا ، وأن نكون نزهاء مع المجموعة القريبة منا ، أي مع العائلة، ومع مجموعتنا الكبيرة...وأخيرا مع الإنسانية جمعاء.

6- القدرة على التواصل :
ليس هناك من إنسانية في غياب الحوار. وهناك من قال : "عندما يغيب الحوار يبدأ العنف ". وهدا يعني أن القدرة على التواصل والحوار مع الآخر هي أمر أساسي. لكن ، لإقامة الحوار والتواصل نحن في حاجة إلى لغة أو لغتين أو ثلاث أو أكثر. لدلك فإن الدين يكتفون بتعلم لغة واحدة يخطئون. ولكي نطور بلداننا ، ولكي نحافظ على هويتنا اليوم ، يجب أن نمكن شبابنا من تعلم اللغات. ففي عالم العولمة لن ينتظر أحد منا أن يترجم كلامه إلى اللغات الأخرى، كما لا ينتظر أيضا أن يترجم كلام الآخرين له.وأخيرا لا يمكن أن ننتظر أن يترجم لنا الآخرون كتبهم ونظرياتهم العلمية . خاصة وأن العملية ستكون مستحيلة إذا عرفنا أن عدد المطبوعات اليوم يبلغ المليون كل يوم تخرج من المطابع. وقد نتساءل مادا سنختار من هدا الكم الهائل ؟ ومن سيختار لنا ما ينفعنا؟ إن هده المؤلفات العلمية في حالة جهلنا للغاتها لا توجد بالنسبة لنا.
خـاتـمة :
في خاتمة هذا البحث ، يمكن أن نطرح على أنفسنا هذا السؤال : هل بإمكاننا ، بهويتنا ومكوناتنا العربية والإسلامية ، أن ندخل زمن العولمة ؟ أن نصبح ضيوفا عليها في زمن من الأزمنة ، مثل باقي الأمم والشعوب ؟ أم أننا سنبقى على هامشها ، منطوين على أنفسنا ، خائفين ومرعوبين من الآخر ، و قابضين على موروثنا وتراثنا ؟
للإجابة يحسن بنا أن نذكر بما سبق أن قلناه من قبل ، وهو أن العولمة مسلك رسمه الكبار ، ويقوده الكبار . وأننا وكأننا نسبح في نهر . لنا أن نختار بين أن نسبح مع التيار أو أن نسبح ضد هذا التيار . لكن ، عندما يكون التيار قويا وجارفا إلى حد كبير ، سيكون من المثير والخطير ، بل ومن البلادة وقلة العقل، أن نسبح ضد التيار ، وفي حال اختيارنا السباحة ضد التيـار ، فإننا سنبذل مجهـودا لا يقدر، ومن دون فائدة ، وفي الأخير سننتهي بالغرق ، وستنتهي الحياة بالنسبة لنا عند ذلك الحد . أما إذا اخترنا أن نسبح مع التيار ، فلنعمل على المحافظة على هويتنا ، ولنعمل على أن تحافظ العولمة على قيمنا، ولنتذكر أن " العولمة والهوية لا يجب أن تحتضنهما دائرة الصراع ، بل قدرهما التكامل ، فاختلاف الهويات هو أساس العولمة " [22][22]، ولنتذكر كذلك أن العولمة لن يكون لها مستقبل ، كما قال د. المهدي المنجرة ، إذا " كانت جذورها غير إنسانيـة ، وأهدافها غير ساميـة ، وقيمها غير أخلاقيـة " [23][23].
هوامش:
قائمة المراجع :

- بول هيرست – جراهام طومبسون : ما العولمة ؟ عالم المعرفة 273 – سبتمبر 2001.
- مجموعة من الكتاب والمفكرين - الإسلام والغرب –كتاب العربي 49 2002.
- د.المهدي المنجرة – عولمة العولمة –منشورات الزمن – سبتمبر 2000.
- د.طه عبد الرحمن – حوارات من أجل المستقبل – منشورات الزمن – أبريل 2000.
- جودت سعيد وعبدالواحد علواني – الإسلام والغرب والديمقراطية – دار الفكر المعاصر ودار الفكر – 1996.
- د. بنسالم حميش – في معرفة الآخر – منشورات الزمن 2001.
- د. محمد سبيلا – المغرب في مواجهة الحداثة – منشورات الزمن 1999.
- دول المغرب العربي ومواجهة العولمة: التحديات والآفاق – ندوة مراكش 1999.
- عبد الله أحمد أبو راشد –العولمة في النظام العالمي والشرق أوسطية –دار الحوار – سوريا 1999.
- د.عبدالهادي بوطالب – في نقد العولمة :حسناتها وسيئاتها – الاتحاد الأسبوعي 1-7 –2002.
د. عبدالهادي التازي سعود- ثقافتنا والعولمة- سلسلة الدروس الافتتاحية – جامعة الحسن الثاني –2000.
- Les pays du Maghreb Arabe Face à la mondialisation: Defis et Perspectives – Marrakech 1999.
- Dr.Rachid Benmokhtar Benabdellah -Education et Mondialisation –université Mohammed Premier-2002.

[1][1] د.ناريمان عبد القادر –العولمة والتحولات المعاصرة – ضمن كتاب :
دول المغرب العربي ومواجهة العولمة /التحديات والآفاق-ص 18
[2][2] د.ناريمان عبد القادر –العولمة والتحولات المعاصرة – ضمن كتاب : دول المغرب العربي ومواجهة العولمة /التحديات والآفاق-ص 23
[3][3] نقلا عن : د. عبد الهادي بوطالب – في نقد العولمة – الاتحاد الأسبوعي 8-14 نونبر 2002 .
[4][4] نفسه .
[5][5] المصدر السابق .
[6][6] نفسه
[7][7] جورج قرم – الإسلام والغرب –ص 187/188 .
[8][8] المهدي المنجرة – عولمة العولمة – ص 68.
[9][9] نفسه – ص 69.
[10][10] د.سليمان العسكري –الإسلام والغرب –ص 5-6.
[11][11] المهدي المنجرة- عولمة العولمة – ص 106.
[12][12] د. محمد جابر الأنصاري – الإسلام والغرب – ص 219.
[13][13] نفسه – ص 220.
[14][14] المهدي المنجرة – عولمة العولمة – ص 99-100.
[15][15] نفسه – ص 105.
[16][16] د. منح الصلح – العروبة والنظام العالمي الجديد – الإسلام والغرب -ص21.
[17][17] المهدي المنجرة – عولمة العولمة – ص 105.
[18][18] ضمن كتاب : الإسلام والغرب – ص8.
[19][19] د.فؤاد زكريا – الإسلام والغرب – ص 14 .
[20][20] بول هيرست وجراهام طومبسون – ما العولمة – ص 393.
[21][21] نفسه – ص 396-397.
[22][22] د. عبدالباقي الهرماسي – الإسلام والعولمة – ص 91.
[23][23] المهدي المنجرة –عولمة العولمة –ص 61.