إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 2 مارس 2008

علي لغزيوي: قراءة في كتاب "نظريات القراءة .."

نظريات القراءة
ترجمة د. عبد الرحمن بوعلي
عرض: د. علي لغزيوي

"نظريات القراءة" عنوان لكتاب صغير يضم مجموعة من النصوص النقدية المعاصرة تمثل مختلف الاتجاهات النقدية السائدة الآن، وهي لمؤلفين عديدين اختارها وترجمها الدكتور عبد الرحمن بوعلي أستاذ النقد الحديث بكلية الآداب جامعة محمد الأول، وجدة المغرب، ووضع لها هذا العنوان الجامع سعيا منه لتقديم نظريات معاصرة في النقد الأدبي، انطلاقا من أعمال مجموعة من النقاد الغربيين الذين ينتمون إلى عدة جامعات أجنبية. وهكذا جاءت الدراسة الأولى بعنوان: من أين نبدأ؟ وهي للناقد رولان بارت ( درجة الصفر في الكتابة) .
وجاء النص الثاني تحت عنوان ( القراءة كبناء) وهو للناقد تزفيتان تودوروف من كتابه ( شعرية النثر).
أما النص الثالث فهو لريمون ماهيو بعنوان (القراءة السوسيو-ثقافية)، والرابع لفردناند هالين وفرانك شويرويجن تحت عنوان ( من الهرمنيوطيقا إلى التفكيكية)، والخامس لميشال أوتن بعنوان (سيميولوجية القراءة) والسادس والأخير لفرانك شويرويجن بعنوان ( نظريات التلقي).
والنصوص الأربعة الأخيرة من كتاب لعدة مؤلفين تحت عنوان Méthodes du texte:Introduction aux études littéraires وقد صدر بباريس العام 1987.
وقد اختار المترجم هذه النصوص باعتباره في نظره مفاتيح أولية لمعرفة المناهج المعاصرة الأكثر تأثيرا فينا، والأوسع حضورا في ساحة النقد العربي من جهة، ولكونها من جهة ثانية تعالج الإشكالية الأساسية التي ينبغي أن يواجهها النقد، وتتعلق بتشكل مناهج القراءة في جانبيها النظري والتطبيقي، وهو يرى أن حاجتنا ماسة إلى استيعاب المناهج النقدية المعاصرة، ولكن ليس من أجل تقمصها وتطبيقها كما تم إنجازها، بل عن طريق نقدها ومساءلتها وتبين مدى قدرتها على مساءلة النص العربي، مع الوعي بالاختلاف والائتلاف. وبهذه الشروط يرى أنه يمكن لهذه النصوص أن تضيف إلى ممارستنا النقدية ما يبدو أننا في حاجة إليه في القراءة باعتبار أنها شكل من أشكال المنهج من ناحية وبوصفها منهجية تتيح أكبر قدر من الحرية للقارئ في اشتغاله بالنص الأدبي، وبذلك تنعدم الحدود بين المنهج والقراءة.
ولتحقيق هذا الهدف، فقد آثر المترجم أن يرتب النصوص التي اختارها وكثير منها يقدم للقارئ العربي في لغته لأول مرة في الغالب فجعلها بترتيبه المشار إليه آنفا تقدم صورة عن النقد المعاصر على اختلاف اتجاهاته السائدة، وما يطبع المشهد النقدي المعاصر من تنوع وتطور، وكأن حلقات المشهد سلسلة متصلة يأخذ بعضها بعرى بعض، بدءا من البنيوية مرورا بالسوسيولوجية، والهرمينوطيقا، والتفكيكية، والسوسيولوجيا، ووصولا إلى نظريات التلقي كما صاغها وولفجانج إيزر وهانس روبرت ياوس وإيكو وغيرهم من منظري جمالية التلقي في النقد الغربي.
ولا شك أن قارئ هذه النصوص النقدية على اختلاف اتجاهاتها ومكوناته يستطيع أن يلاحظ العناصر المشتركة بين المناهج التي يتبناه كل منها، وليس ذلك كما يؤكده المترجم إلا لأن " الناقد الغربي في بنائه لمنهجه لا يستطيع أن يتخلى عن تراثه، أو عن العناصر المشرقة في هذا التراث.. وهو مثلما لا يستطيع التخلي عن تراثه، لا يستطيع أن يتجاهل مساهمات معاصريه، مما يؤدي إلى الوصول إلى نتائج هامة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظريات القراءة صدر عن دار نشر الجسور- وجدة- المغرب في 90 صفحة- العام 1995.

د. علي لغزيوي

محمد بهجاجي: " قراءات: عبد الرحمن بوعلي: في نقد المناهج المعاصرة"

قراءات: عبد الرحمن بوعلي: في نقد المناهج المعاصرة
محمد بهجاجي


صدر للشاعر والباحث عبد الرحمن بوعلي كتاب جديد بعنوان "في نقد المناهج المعاصرة: 1- البنيوية التكوينية"، يسعى إلى إغناء المعرفة النقدية المتداولة في بلادنا، انطلاقا من تقديم منهجي للبنيوية التكوينية باعتبارها واحدة من أبرز الطرائق النقدية السوسيولوجية كما مارسها كل من لوكاش، غولدمان، جاك لينهارد، بيير زيما، وميشيل زيرافا.
ضمن هذا السياق يعود بوعلي إلى اللحظات الأولى التي تشكلت فيها علاقات الأدب بالوسط الاجتماعي، وإلى الروافد الثلاثة التي يرى أنها "ساهمت بقسط كبير في نشأة النقد السوسيولوجي"، وهي:
- المادية التاريخية، وعلماء الاجتماع الألمان، ومدرسة فرانكفورت السوسيولوجية.
بعد ذلك يقدم المؤلف فكرة عن السوسيولوجيا التجريبية ويمثلها بشكل أساسي روبير إسكاربيت، ثم يبلور بشكل موسع القضايا الأربع التي تحاول البنيوية التكوينية الإجابة عنها:
1- قضية البنية الدالة المتماسكة.
2- إدراج البنية في إطار أيديولوجي.
3- فهم الأيديولوجيا والطبقة أو الفئة الاجتماعية داخل المجتمع.
4- البحث عن وظيفة الطبقة أو الفئة الاجتماعية داخل المجتمع.
يستعرض الكاتب المفاهيم المركزية في المنهج اعتمادا على مفهوم البنية الدلالية، مفهوم الرؤية للعالم، إضافة إلى مفهومي الفهم والتفسير، ومفهوم التماثل، مع إشارة المؤلف إلى أن هناك مفاهيم أخرى لا يعني عدم ذكرها "أن لا فائدة ترجى من ورائها".
في جانب آخر من الكتاب يستحضر بوعلي أشكال حضور المنهج السوسيولوجي في الكتابات النقدية العربية انطلاقا من خمسة كتب-نماذج، ويعلق-بإيجاز- على طبيعة هذا الحضور وعلى ما اعتبره جوانب نقص أو خلط أو تعثر في "المشروع" البنيوي التكويني العربي، من ذلك ما لاحظه بخصوص كتاب "التحليل الاجتماعي للأدب" للسيد ياسين الذي يرى المؤلف أنه لم يدرك الإطار النظري والتاريخي للسوسيولوجيا، فخلط بين "منهج التحليل السوسيولوجي والمنهج الجديد لرولان بارت"، كما خلط "بين المنهجين الرئيسيين في التحليل السوسيولوجي: المنهج السوسيولوجي التجريبي... والمنهج السوسيولوجي الجدلي.." كما لاحظ المؤلف أن كتاب "سوسيولوجيا النقد العربي الحديث" لغالي شكري هو "عبارة عن تاريخ وتأملات في النقد العربي الحديث"، ومن ثم، يبدو هذا الكتاب في رأيه "بعيدا كل البعد عن أي منهج سوسيولوجي".
أما بخصوص النماذج المغربية: كتاب "الرواية والأيديولوجا في المغرب العربي" 1981 لسعيد علوش، وكتاب "ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب:مقاربة بنيوية تكوينية 1979" لمحمد بنيس، وكتاب "الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي 1985 لحيد الحمداني، وهذه المؤلفات كلها أعدت أصلا لنيل دبلوم الدراسات العليا، فيرى فيها المؤلف دراسات قيمة أثرت البحث الجامعي المغربي وأشرعت لخطابنا النقدي آفاق متجددة، لكنه يلاحظ أن تطبيقات المنهج في بعض هذه الكتب قد شابتها آثار نقص، إما بسبب عدم الاستيعاب العام للمفاهيم أو سوء تدبير للإطار الكامل للبنيوية التكوينية أو أحيانا بسبب ضعف الترجمة.
يسعى هذا الكتاب الجديد للباحث عبد الرحمن بوعلي إلى إعادة النظر في جزء من الخطاب النقدي العربي، وهو كما يفهم من العنوان، خطوة أولى باتجاه تتبع أشكال حضور المناهج الأخرى في هذا الخطاب. وقد اعتمدت الفكرة على منحى بيداغوجي واضح من أجل تقريب الأفكار بالصيغة التي تضمن تداولها على نحو واسع.

محمد بهجاجي
جريدة الاتحاد الاشتراكي

المشهد الشعري في المغرب: من التأسيس إلى التساؤل 1

المشهد الشعري في المغرب: من التأسيس إلى التساؤل( 1)
بقلم: د.عبد الرحمن بوعلي


"إن ما يؤدي إلى الشعر هو طريق التجاوز"
إيمي سيزار

علينا أن نعترف منذ البداية أن محاولة تقريب المشهد الشعري في المغرب هي من الأمور التي لا يمكن الحسم فيها، ذلك أنها مهمة تقوم على أساس التراكمات الإبداعية والنقدية. وعلينا أن نقول إن هذه المحاولة بالرغم من أنها تصدر عن موقف شخصي، تحاول أن تشخص الواقع الشعري بالمغرب الزاخر بالتجارب الشعرية الجديدة، والمسكون بالأسئلة المقلقة والحادة. فهي إذن محاولة تتغيى إبراز الصور في مختلف مظاهرها وتجلياتها. وسنعمد في ذلك على مفهوم أساسي ومحوري هو مفهوم "الأجيال".
1- في تاريخ المشهد الشعري:
عندما تأسست حركة الشعر الحديث أو الحر في المشرق العربي، على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وغيرهم، كان لزاما عليها كي تنجح، أن توجد امتدادا لها في كل الأطراف العربية، وكان المغرب أحد هذه الأطراف التي استقبلت هذه الحركة بابتهاج شديد. ولذلك فقد تضافرت كل العوامل في بداية الاستقلال -1956- وقبله بقليل، لكي تدفع النخبة المثقفة للخروج من النموذج التقليدي والرومانسي، كما أن إرادة هذه النخبة في تجريب أساليب الكتابة وتطويعها كانت أكبر من كل المثبطات والإكراهات التي أحاطت بها في ظروف لم تكن تسمح بحرية التعبير. وقد كان ذلك في سنوات الخمسينات، حين كانت المقاومة الشعبية تصفي حساباتها مع الاستعمار الأجنبي، وحين كانت طلائع المثقفين تشارك في تأسيس الثقافة الوطنية.
ولعل حركة شعرية كهذه، في قوتها وعنفوانها، وفي مشاهده الظاهرة والخفية، ما كان لها أن تصير حركة بهذا الحجم إلا وهي تجتذب إليها المريدين تلو المريدين، فكان انتظامها في أجيال متتالية سببا في امتدادها ونجاحها. وربما جاز لنا أن نسلك مساربها ومنعرجاتها، بل وإخفاقاتها ونجاحاتها، في الأجيال التي تعارف عليها النقاد، والتي أصبحت تشكل اليوم المشهد الشعري العام في المغرب.وهي جيل الرواد الذي عرف بجيل الستينات، وجيل الوسط الذي أطلق عليه جيل السبعينات، وأخيرا الجيل الجديد أو جيل الشباب والذي أطلق عليه جيل التسعينات.
ومن الناحية النظرية يقوم هذا المشهد الشعري على تنامي النماذج الشعرية في خط طولي، وكأن هذا التنامي لا يتحقق عبر تراكب وتفاعل التجارب، وقد يخيل للباحث أن القطيعة هي قاسمه المشترك وأقنومه الظاهر، وأن السلسلة ما تفتأ تتواتر حتى يظهر شيء جديد يعكر صفو التواتر ويقصف الامتداد.
ولفحص هذا المظهر الذي أشرنا إليه ينبغي أن نقوم باستحضار هذه الأجيال وبتتبع الخصوصيات الموضوعية لكل جيل وسماته الأكثر بروزا.
ولتكن البداية من جيل الرواد.
2- جيل الرواد أو جيل الستينات:
تنفتح دورة المشهد الشعري بالمغرب بجيل الستينات، وهو الجيل الذي كان يوم مقام جيل الرواد في المشرق العربي، من أمثال بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي وغيرهم.. ويتشكل هذا الجيل من مجموعة من الشعراء أبرزهم أحمد المجاطي المعداوي، ومحمد السرغيني ومحمد الخمار الكنوني... وجميعهم بدأوا الكتابة الشعرية والنشر في الجرائد والمجلات باستيحاء. وواصلوها خلال عقود الستينات والسبعينات والثمانينات، وبعضهم لا زال يواصلها حتى اليوم كما هو الحال بالنسبة للشاعر محمد السرغيني....
ويشكل الشاعر أحمد المجاطي - المعداوي أحد أعمدة القصيدة المغربية الحديثة، بل ويشكل أحد الذين يعود إليهم الفضل في ترسيخها ترسيخا فنيا عاليا، وفي إثارة النقاش حول راهنها وراهن القصيدة العربية الحديثة، ذلك أنه كان طرفا في النقاش الذي دار بينه وبين بعض نقادها ومنظريها الكثيرين، وأطروحته حول "ازمة الحداثة" [1] خير دليل على ذلك. أما فيما يتعلق بصراعه الثقافي مع محمد بنيس [2] فيعود إلى اختلاف في وجهات نظرهما حول الشعر، وفي تقييم كل منهما للمسألة الشعرية في المغرب، فبينما كان بنيس يدعو إلى الخروج الكلي عن القصيدة- النموذج، القصيدة السيابية كما ترسخت، ساند المجاطي فكرة ارتباط الشعر العربي بالتراث. وأما فيما يتعلق بمشاركة المجاطي في النقاش العام حول إشكالية الحداثة الشعرية العربية فلا شك أن كتابه الصادر حديثا تحت عنوان "أزمة الحداثة في القصيدة العربية" لخير دليل على انخراط هذا الشاعر في تحليل الوضع الشعري العربي، وعلى تحسسه اليقظ لمشكلاته وعلى امتلاكه للأداة النقدية وللرؤية الموضوعية. وهو بذلك شكل ظاهرة من أهم دلالاتها أن الشاعر الحديث لا يمكن أن تتغلب عليه أية يقينية مهما بلغت قوتها.
وفي الميدان الشعري، أي في ميدان تجربته الشعرية، برز الشاعر أحمد المجاطي شاعرا متميز الأسلوب، صافي اللغة، متمكنا من الكتابة والهندسة الشعرية، وهو الانطباع الذي يمنحه ديوانه الوحيد "الفروسية" الذي ظهر بعد أكثر من ربع قرن من خوضه لغمار التجربة الشعرية. والذي اعتبر ولا يزال، بالرغم من كونه لم يشمل إلا قصائد قليلة من أعماله، أحد أهم الأعمال الشعرية، ليس على صعيد التجربة المغربية، بل على صعيد التجربة الشعرية في العالم العربي. ولعل رصانة تجربة الشاعر أحمد المجاطي-المعداوي التي ترسخت وتكرست في هذا الديوان، هي التي جعلت ناقدا من وزن محيي الدين صبحي يقول فيه:" لقد ظفر الشعر العربي الحديث من ديوان المجاطي بحلقة جديدة في السلسلة الذهبية التي شكلها جيل الرواد في الخمسينات، فبعد السياب والبياتي وخليل حاوي يتبوأ الشاعر أحمد المجاطي مكانته بين رواد الشعر العربي الحديث الذين طوروا الأداء واللغة الشعريين بالعربية. أما بالنسبة لشعراء المغرب العربي في السبعينات والثمانينات، بين القاهرة والجزائر فهو رأس الطليعة التي تستحق لقب شاعر"[3] .
أما السرغيني، فلا شك أن موقعه الاعتباري كشاعر داخل الخريطة الشعرية المغربية، وريادته المتواصلة والمؤكدة التي لا لبس فيها، تجعلانه هو الآخر، واحدا من الذين كانت بصمتهم واضحة. ولا شك أن قامته الشعرية التي تسامت وقامات شعراء القصيدة العربية الحديثة الكبار، بل ومنحتع فرادته التي لا يشك أحد فيها، جعلته من الذين طبعوا المشهد الشعري في المغرب بطابعه الخاص. ومن دون شك فإن ديوانه "وسيكون إحراق أسمائه الآتية" الذي جاء متؤخرا من حيث الزمن، مثل ديوان المجاطي السابق الذكر، وكذلك دواوينه التالية له "جبل قاف" و"الكائن السبئي" و"من فعل هذا بجماجمكم؟"، إن هي إلا أدلة قاطعة على كون السرغيني من الأسماء التي شكلت علامة بارزة في الشعر المغربي الحديث.
ويعتبر محمد الخمار الكنوني ثالث الشعراء المنتمين إلى فترة الستينات، وهو الشاعر الذي رغم ثقافته التراثية ساهم في وضع أسس القصيدة المغربية. فديوانه الوحيد "رماد هسبريس" يمكن النظر إليه كعلامة مضيئة في تاريخ الشعر المغربي والعربي، ذلك أن الملمح الغالب عليه متانة اللغة، ووضوح المعنى وإحكام البناء. ولأن الشاعر محمد الخمار الكنوني من الشعراء القلائل القابضين على نار الشعر وجذوة الإبداع، فقد شكلت قصائده نماذج هامة. ولعلنا لن تخطيء إن نصوصه ونصوص محمد السرغيني وأحمد المجاطي، حتى وإن لم يلتفت إليها النقاد كثيرا، نصوص تشهد على تاريخيتها وتشهد عليها جسارتها وجماليتها.
ولعل أهم ما يمتاز به هؤلاء الشعراء كونهم عبروا تعبيرا دقبقا على مرحلة عاشوها، وأنهم عكسوا تصوراتهم الفكرية والجمالية في أشكال تعبيرية قدر لها أن تصبح نماذج مقترنة بأصحابها دالة عليهم، وبتعبير آخر فإنهم شكلوا إلى جانب شعراء آخرين من أمثال عبد الكريم الطبال، ومحمد علي الهواري، ومحمد الميموني، وأحمد صبري، وغيرهم.. الثالوث المؤسس لحركة الشعر الحديث في المغرب، وإليهم يرجع الفضل في ترسيخ هذه الحركة الشعرية، بل ويعتبرون أساتذة للأجيال التالية لهم.
وإذا كان البعض من النقاد والمنظرين لحركة الشعر الحديث في المغرب قد أجهزوا على تراث هذا الثالوث لأسباب قد نعرف بعضها، فإن ذلك لم ينل مما قدموه للحركة الشعرية في المغرب. ولئن قيل في هذا الصدد إن رؤيتهم كانت رهينة "السقوط و الانتظار"[4] وذلك إشارة إلى محدودية أفقهم، فهل معنى ذلك أن في الإمكان إلغاء تجربتهم؟ لنقل إن الرؤية في شعر هؤلاء هي رؤية "سقوط وانتظار"، أو لنقل إنها رؤية "كارثية" على حد تعبير الناقد محيي الدين صبحي [5] ، أو لنقل إنها رؤية مهزومة نالت من هزيمة حزيرا/يونيو 67 نصيبها واكتوى أصحابها بنارها، فما الذي يغير من طبيعة شعرهم المتميز والحارق؟ ثم أليسوا هم من الجيل الذي فتح عينيه على بنادق المستعمر وعلى ضياع فلسطين وعلى انسداد الأفق وعلى الهزائم المتتالية في عصرنا الحديث؟ أليسوا هم الجيل الذي خرج للتو من إرهاصات نهضة مكسورة ومنكسرة ومن بدايات استيقاظ ناقص لم تمهله تطورات العصر ليكتمل؟
إن الذي لا شك فيه أن هؤلاء الشعراء الكبار ليسوا أشباحا ولا ملائكة. إنهم بشر عبروا عن طموح الإنسان إلى أن يخرج من النفق المسدود، ولم تكن رؤيتهم هذه إلا تجسيدا لهمومهم وانعكاسا لمعيشهم، وبذلك أقاموا الحجة على أن الشعر منبعه الوجود، وأن الإنسان -العادي والمبدع- إنما هو نتاج لهذا الوجود الموجود، وأن الحداثة الشعرية إن كان لها من معنى فهو أن تعبر عن عصرها الموتور والخائب.
ومجمل القول أن مرحلة الستينات كانت مرحلة تأسيسية هامة، فتحت للتجديد آفاقا ورؤى وتطلعات، سيتحمل مسؤولية مواصلتها وتحقيقها الجيل التالي، وهو جيل آخر من الشعراء أطلقت عليه تسمية جيل السبعينات.
يتبع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث، دار الآفاق الجديدة، 1993.
[2] محمد بنيس، "راهن الشعر المغربي" مجلة الفكر الديمقراطي العدد 2، 1988، ص 120 .
[3] محيي الدين صبحي، الدراسة الملحقة بالديوان، ص 170.
[4] محمد بنيس، "ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب"، دار العودة، 1989.
[5] محيي الدين صبحي، المرجع السابق،ص 169.