إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 1 مارس 2008

المغرب العربي بين الماضي والمستقبل ؟

المغرب العربي بين الماضي والمستقبل ؟
د. عبد الرحمن بوعلي

-1-
لازلت أتذكر وأنا في مقتبل العمر، في تلك المدينة الصغيرة الهادئة - مدينة أحفير- التي كان المستعمر يطلق عليها اسم (مارتان بري دي كيس)، لا زلت أتذكر تلك الوريقات التي كنت أجدها بين أوراق والدي والتي كانت تشد انتباهي إليها بسبب وجود صورة العلم الجزائري عليها. أتذكر أيضا أنني كنت أقلبها، وأنظر فيها، وأقرأ ما سجل عليها من كلمات، وكأن سحرا ما كان يشع منها ليشد انتباهي إليها كل ذلك الشد. لقد كانت تثير اهتمامي وتشعل في نفسي الرغبة والشهية في التعرف عن فحواها ودلالتها ومصدرها. وقد كنت أتساءل ما الغرض منها ؟ ولماذا توجد من بين أوراق والدي ؟ كنت في بعض الأحيان أتلمسها وأحاول أن أقرأ كلماتها ، فأتعرف على خطها الذي كان يشدني إليه بسبب لونه الفاحم وتعرجاته التي تحمل أكثر من دلالة.
-2-
في الحقيقة، لم تكن تلك الوريقات سوى تواصيل عن مساهمة والدي في دعم جبهة حركة التحرير الجزائرية في مسلسل كفاحها الوطني ضد المستعمر الفرنسي. حينذاك كانت الحرب بين الجزائر وفرنسا على أشدها، وكانت الأخبار التي تصلنا تؤكد أن المقاومة الجزائرية لم تكن تهدأ ، وكانت العمليات التي ينفذها المقاومون الجزائريون بمعية المغاربة تصل إلينا ، بل إننا كثيرا ما كنا – بحكم تواجدنا على نقطة التماس بين القطرين الشقيقين - نستيقظ مفزوعين على الأصوات المدوية لانفجار الألغام الأرضية عندما تدوسها أقدام المقاومين أو حتى الرعاة المغاربة الذين ينتشرون في ذلك الجبل العالي المطل بشموخ على البلدة الهادئة أحفير . وحينذاك كان المغرب قد توج نضاله الطويل بنيله الاستقلال وبدأ يخطو خطواته الأولى في اتجاه مرحلة البناء الوطني، وكانت تونس وليبيا في حالة تشبه حالة المغرب، أما موريطانيا فكانت بحكم التاريخ امتدادا للمغرب.
نعم لا زلت أذكر كل ذلك. وأنا الآن أتذكره بكل التفاصيل والعموميات وكأنه من وقائع الأمس القريب. الوقائع التي اختلطت بدقات القلب، ولا زلت أذكر الوقائع والأيام وكأن ما كنت أسمعه وأراه لم تبله الأيام ولم يؤثر فيه الزمن ولا تقلبات السياسات والتوجهات.
-3-
والآن، وقد مرت على تلك الأحداث أكثر من أربعين سنة وقرابة نصف القرن، هي عمر جيل الاستقلال الذي نهض من رماد التاريخ، و قد أصبحت جزءا من الذاكرة الموشومة وبعضا من التاريخ المشترك بين المغاربة والجزائريين فلم يعد ممكنا أن نبقى نراكم الأخطاء تلو الأخطاء. ومن الحتمي -ونحن نجد أنفسنا في زمن آخر بدأنا نطل من خلاله على القرن المقبل، وبدأت تنشأ رغبة عند الجميع بضرورة بناء المغرب العربي – أن يكون كل ذلك الماضي المشترك الدافع الأساس إلى الانخراط في ضرورة الإقبال على إحياء الدعوة إلى توحيد المغرب العربي من ليبيا إلى المغرب ومن المغرب إلى موريطانيا حتى يتجسد ذلك الحلم الكبير الذي ظل ولا يزال يعتبر من أهم أحلام الحركات الوطنية التي نشأت في أقطار المغرب العربي إبان فترات الاحتلال والعسف.
-4-
ولعل أسباب الوحدة والتعلق بتحقيق حلم المغرب العربي الكبير قائمة الآن أكثر من أي وقت مضى، فالعالم أصبح مثل قرية صغيرة تتناقل فيها الأخبار والمعارف والمعلومات عبر وسائط صارت أكثر من ضرورية.
إضافة إلى ذلك فالكيانات الصغيرة لم يعد لها وجود الآن، فالعصر للكيانات ذات الوزن الاقتصادي والعلمي والبشري، ولم يعد هناك مكان للكيانات القزمية وللدول المتخلفة التي تكون في حاجة إلى من يسندها ويدفع بها إلى الأمام. ثم إن الظروف الجديدة التي بدأت ترسم هامشا للحرية والديمقراطية وتخليق الحياة العامة، في المغرب الآن وفي الأقطار الأخرى قريبا، أصبحت هي الأخرى تفرض على المجتمعات أن تتكتل أمام التكتلات وأن تبادر إلى تنمية شاملة وأن تتقدم حتى تضمن مكانها بين الأمم المتقدمة.
وإذن فليس أمام الدول والمجتمعات والنخب المغاربية من مهمة أكبر ولا أخطر من مهمة بناء مغرب عربي موحد وقوي الآن وليس غدا، وما على النخب والأحزاب السياسية والمؤسسات العلمية والمجتمع المدني كله سوى البدء في وضع اللبنات الأولى، دون الخوض في الماضي، ودون مركبات النقص التي تنخرنا.
ويبقى السؤال: هل بالإمكان تجسيد هذا الحلم الكبير بعيدا عن كل الحساسيات المثبطة ؟

محمد القاسمي: الخطاب النقدي حول شعر عبد الرحمن بوعلي

الخطاب النقدي حول شعر عبد الرحمن بوعلي
د. محمد قاسمي

ليست هذه الورقة دراسة في شعر الدكتور عبد الرحمن بوعلي، فذلك يحتاج إلى وقت أوفر لا يمكن أن تسمح به هذه المناسبة[1] . وليست شهادة في حق المحتفى به، ولكنها شيء أتمناه أكبر من الشهادة. فالشهادة قد يتبدد صداها بانتهاء المناسبة، ولا تبقى عالقة إلا بذهن المشهود له.ولذلك آثرت المشاركة في هذا اليوم التكريمي بتقديم شيء يخلد ذكر المحتفى به، والأمر يتعلق هنا بتوثيق كل ما كتب عن الشاعر عبد الرحمن بوعلي. وجعل هذه الورقة أرضية مرجعية للباحثين في الشعر المغربي المعاصر بعامة وفي شعر المحتفى به بخاصة. إنها ورقة ترصد وتحدد مختلف الدراسات والأبحاث والمقالات التي تناولت شعره في إطار منهجي يصنفها إلى خطابات يبلغ عددها خمسة وهي: الخطاب البيبليوغرافي- الخطاب المقدماتي– الخطاب المقالي– الخطاب الأكاديمي– الخطاب الاحتفالي.
وليست بين الأنواع المحددة حدود فاصلة، فهي متداخلة ومتشابكة، فقد يصبح الخطاب المقدماتي خطابا مقاليا إذا نقله صاحبه من فضاء التقديم إلى فضاء الجريدة أو المجلة. والأمر نفسه يسري على الخطابات الأخرى إذا غيرت من مناسبتها وفضائها. وهذا النوع من الكتابة هو السائد الآن إذ لا يمكنك التمييز بينها. أما تمييزي بينها في الأنواع السابقة فيأتي ليس اقتناعا بما تتمايز به هذه الخطابات بل لضرورة منهجية تسهل عملية المتابعة بالنسبة للحضور.
وتسهيلا للتتبع كذلك أرى من الضرورة الإشارة إلى حصيلة ما ألفه الشاعر عبد الرحمن بوعلي خلال مدة تزيد عن ثلاثة عقود للوقوف عند حجم الدراسات التي تناولت هذه الحصيلة.
للشاعر بوعلي ست مجموعات شعرية مطبوعة وهي مرتبة تاريخيا كما يلي:
1 – أسفار داخل الوطن (1976) – مطبعة الأندلس – البيضاء.
2 – الولد الدائري (1984) منشورات وزارة الثقافة والإعلام – العراق.
3 – وردة للزمن المستحيل (1984) – المطبعة المركزية – وجدة.
4 – الأناشيد والمراثي (1995)- منشورات كلية الآداب بوجدة.
5 – تحولات يوسف المغربي(2003) – مؤسسة النخلة – وجدة.
6 – الأناشيد والمراثي ومدن الرماد (2003) – مؤسسة النخلة – وجدة.
هل قاربت الدراسات الأدبية مجموعات الشاعر بوعلي كلها؟ وهل وفت هذه الدراسات الشاعر حقه من الدراسة ؟ ومن هم نقاد شعر عبد الرحمن بوعلي؟ إنها أسئلة لسنا مجبرين بالإجابة عنها؟ فيكفي إثارتها، ويكفي أن تطرح لتستفز باحثينا وطلبتنا لمحاولة الإجابة عنها. ولذلك قلت في البدء إن هذه الورقة أرضية للباحثين والدارسين، ويكفي أن نضع بين أيديهم نماذج من أنواع الخطابات التي تناولت شعر المحتفى به على الشكل الذي صنفناه سابقا.
أولا = الخطاب البيبليوغرافي:
تنقسم البيبليوغرافيا إلى وصفية وأخرى تحليلية، ولم نصل في المغرب - للأسف – إلى المستوى الثاني الذي هو أعمق من الوصف والإحصاء. غير أن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى أن دور النوع الأول أساسي، فهو القناة إلى المستوى الثاني، وهو ضروري لمعرفة الشاعر، ومعرفة سيرورة إنتاجه. فكم مرة يعجزنا سؤال أبنائنا عن ترجمة شاعر يعيش بين ظهرانينا.
والباحث عن اسم الشاعر عبد الرحمن بوعلي يجده حاضرا في المؤلفات البيبليوغرافية التالية:
- الأدب المغربي الحديث لعبد الرحمن طنكول: يذكر مجموعاته، ويذكر الأعمال التي تناولت شعر عبد الرحمن بوعلي بالدرس والتحليل.
- الأدباء المغاربة المعاصرون لعبد السلام التازي.
- دليل أعضاء اتحاد كتاب المغرب: باعتبار الشاعر عضوا في اتحاد كتاب المغرب، وتحمل مسؤولية كاتب الفرع.
- الأدب المغربي الحديث: لحسن الوزاني.
- بيبليوغرافيا الشعر المغربي الحديث والمعاصر في المغرب وسيرورة القصيدة – لصاحب هذا العرض.
- ديوان الشعر المغربي: صلاح بوسريف– بطاقة التعريف + قصيدة بعنوان وجه في الزحام.
- دليل الشعراء المغاربة: عبد الواحد معروفي.
- معجم مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري.
وليس هناك تفاوت بين هذه المؤلفات في إيراد معلومات عن الشاعر، عدا بعض الاختيارات الشعرية التي ينفرد بها كتاب ديوان الشعر المغربي الأقرب إلى الأنطلوجيا منه إلى البيبليوغرافيا.
وليس لورود اسم الشاعر وبعض قصائده ضمن هذه المؤلفات البيبليوغرافية سوى معنى واحد هو حضوره في الساحة الشعرية الوطنية والعربية.
ثانيا = الخطاب المقدماتي:
تحتل المقدمات – سواء تلك التي كتبها المؤلف أم غيره – مجالا هاما في الدراسات النقدية الأدبية بعد أن كان النص في ذاته الموضوع الأساس والمفضل خلال العقود السابقة. وترجع أهمية هذه المقدمات إلى كونها تساعد على التعرف على محيط النص، والإلمام بمقاصد مؤلفه وكيفية تلقيه من قبل الجمهور.
وقد تسير المقدمة – إذا كتبت بقلم مقدم آخر – في خط الكلام الإنشائي الذي لا يقوم إلا بوظيفة الخطاب الإشهاري. وقد تتمظهر في خطابات نقدية عبر دراسة عميقة وقراءة جادة. ثم إن اختيار المقدم لا يأتي اعتباطا، فهو المطلع الأول على العمل، وقد يأتي في صورة المشرف أو الزميل أو صاحب الاهتمام الموحد.
والبحث عن ظاهرة التقديم في مجموعات الشاعر بوعلي يفضي إلى ملاحظة أساسية وهي خلو المجموعات الثلاث الأولى من التقديم وانفراد (تحولات يوسف المغربي) بتقديم بقلم عبد القادر الغزالي الصورة والمرآة: يوسف وإخوته.
ويمكن أن نضيف إليها تقديم أحمد الطريسي أعراب للمجموعة المشتركة بين عبد الرحمن بوعلي ومحمد علي الرباوي وحسن الأمراني والمرحوم محمد منيب وهي بعنوان ( بين تجربة السقوط ورؤيا الخلاص في الشعر ) حيث تم الحديث عن مجموعة الأناشيد والمراثي للشاعر عبد الرحمن بوعلي.
ونموذجنا في هذا الصنف الأول من الخطابات هو تقديم الأستاذ أحمد الطريسي أعراب على اعتبار أن مقدم تحولات يوسف المغربي له أكثر من عمل في شعر عبد الرحمن بوعلي. وسنرجئ رأيه إلى خطاب لاحق.
يعترف د. أحمد الطريسي أعراب بداية أن عملية الاشتراك في عمل شعري لم تتم من الوجهة الفنية ولم تنطلق من وحدة الرؤية في المنطلقات والتصورات وعناصر الفن ونوعية الكتابة الشعرية. فالاختلاف واضح بين الشعراء الأربعة. من هنا ينطلق مقدم المجموعة من قراءة نصوص كل شاعر من غير أن يجعلها منغلقة على نفسها حتى لا يفقد التقديم وظيفته التي من المفترض أنها تدرس مجموعتهم في إطار مشترك.
أما القضايا المرتبطة بشاعرنا فيتناوله المقدم من جانب تجربة السقوط فيعلن قائلا: "وهذا عبد الرحمن بوعلي..يحاول اختزال وضع الإنسان..الذي افتقد ذاته الفاعلة في بناء أسس عالمه>>. وأما لغة الشاعر فهي– في نظره– << لغة تختزل الأشياء في شفافية متناهية، فهي لغة تعرف كيف تبني دلالتها من أقرب الطرق وكيف تجمع بين مختلف الأضواء والألوان التي تجد الصورة أكثر إشعاعا وإشراقا وشعرية". إن الشاعر بوعلي – في نظر د.أحمد الطريسي أعراب – " يتحسس الأشياء على غير عادة الناس، وينظر إلى الظواهر من خلال روابط خفيفة يصعب على الإنسان العادي أن يكتشفها، وبهذه الطريقة يعبر الشاعر عن إحساسه بالفقد وبهذه اللغة التي تختزل الأشياء يقف على هذه المفارقة الغريبة في الحياة". ويلخص أحمد الطريسي أعراب خصائص تجربة الشاعر فيعتبرها "تجربة لغة في الأساس"، واللغة ها هنا تبني صورها الشعرية على عنصري التكثيف والاختزال. ثالثا = الخطاب المقالي : المقالات التي تناولت شعر عبد الرحمن بوعلي كثيرة ومتنوعة، بعضها منشور بجرائد وطنية وبعضها الآخر منشور بمجلات ودوريات عربية. وقد ميزنا ضمن هذا الخطاب بين المقالات العامة، وهي التي تناولت بالدرس والتحليل شعر الجهة الشرقية. والمقالات الخاصة التي باشرت شعر عبد الرحمن بوعلي. نقرأ ضمن المقالات العامة: - الشعر المغربي في الإقليم الشرقي بين المواجهة والإحباط– أبو ياسين– البيان الثقافي– ع 25 – 20 / 21 فبراير 1983. ونقرأ ضمن المقالات الخاصة: - قراءة في ديوان عبد الرحمن بوعلي أسفار داخل الوطن– أحمد الشبيه الرداد – البيان الثقافي– ع 25 – 20 / 21 فبراير 1983. - أناشيد الموت والحياة في شعر عبد الرحمن بوعلي– عبد القادر الغزالي– مجلة نزوى– عدد 35– يوليوز 2003. أعيد نشره بمجلة ضفاف– ع 5– 2003. - قراءة في قصيدة تحولات يوسف المغربي– عبد الله شريق- ملحق فكر وإبداع– 16 أبريل 2004. وهو في الأصل مداخلة ألقاها صاحبها بمناسبة توقيع القصيدة / المجموعة. ويمكن إدراجها ضمن الخطاب النقدي الاحتفالي اعتبارا لمناسبة الخطاب. ولم تقتصر الدراسات الخاصة بشعر عبد الرحمن بوعلي على الأقلام المغربية بل تعدت ذلك إلى المجلات العربية، وأشير هنا إلى دراستين الأولى منشورة بـالثقافة العربية ( الليبية ) والثانية بجريدة البعث ( السورية ). يقرأ عبد القادر الغزالي في دراسته الآنفة الذكر ثلاث مجموعات شعرية لعبد الرحمن بوعلي هي: الطين والكلمات (المخطوطة) ومدن الرماد والأناشيد والمراثي الصادرتين مؤخرا ضمن مؤلف واحد. وخلاصات الباحث عبر دراسته هي أن المجموعات الثلاث وغيرها من الدواوين المنشورة تؤرخ لمسيرة كتابية عسيرة ومضنية لأنها علامات بارزة شاهدة على حسن الإنصات، وتمثل نبض الحياة الوطنية والقومية والإنسانية، في الوقت الذي تراهن فيه على التفرد والأصالة الذاتية بتنويع المداخل الإيقاعية والتخييلية. ص 247 يقول الباحث مفتتنا بشعر عبد الرحمن بوعلي: << الافتتان بالشعر والقصيدة هو الرغبة المسيطرة في هذه الطقوس الكتابية الموصولة بقوة الحياة ، احتفاء بالمحبة والصداقات العميقة المغروسة بعمق في الكيان الذاتي والجماعي تخليدا لرموز أساسية مضيئة ومشرقة على الصعيد المحلي والقومي والعالمي >> ص 251 .
رابعا = الخطاب الأكاديمي:
ونعني به المؤلفات والأطاريح والرسائل والندوات والأبحاث الصادرة عن المؤسسات الجامعية:
- في مجال التأليف الجامعي: نذكر:
- القصيدة المغربية الحديثة: حتى وإن لم يكن الشاعر بوعلي ضمن الشعراء النماذج المختارة فقد أدرجه المرحوم عبد الله ضمن الشعراء الذين أنتجوا شعرا خلال فترة سنوات السبعين وهي الفترة التي اختارها إطارا زمنيا للبحث.
- ويحضر شعر عبد الرحمن بوعلي بقوة في مؤلف ثان هو شعر الطليعة في المغرب وهو البحث الأكاديمي لعزيز الحسين حيث يتخذ من قصيدته ( إشراقات جديدة ) المنشورة ضمن أسفار داخل الوطن نموذجا للدراسة.
- ويحضر أيضا في البحث الأكاديمي للأستاذ عبد الرحمن حوطش الموسوم بـشعر الثورة.
وفي مجال الندوات:
أقيمت بمدينة وجدة ندوات عدة، يهمنا منها تلك التي لها ارتباط بالحركة الشعرية بالجهة الشرقية ولعل أهمها ندوتا (المغرب الشرقي بين الماضي والحاضر) وقد نظمت عام 1986 و(حاضرة المغرب الشرقي ) وقد نظمت عام 1988.
أما الأبحاث والدراسات التي لها ارتباط بشعر عبد الرحمن بوعلي فيمكن رصدها كما يلي:
- حركة الشعر المعاصر في المغرب الشرقي – للأستاذ عبد الرحمن حوطش - ضمن ندوة المغرب الشرقي بين الماضي والحاضر.
- شعرية الفضاء المصادر – محمد منيب البوريمي - ضمن الندوة الثانية.
- التصوف بعض تجلياته في الشعر المغربي– شعراء حاضرة وجدة نموذجا– محمد علي الرباوي– ضمن الندوة الثانية.
وانصب اختيارنا على الدراسة الأولى لأن شعر بوعلي فيها أوفر حضورا.
يعالج الأستاذ عبد الرحمن حوطش في حركة الشعر المعاصر في المغرب الشرقي شعر ستة شعراء هم: حسن الأمراني – محمد علي الرباوي – عبد الرحمن بوعلي – محمد بنعمارة – محمد منيب – محمد لقاح..
ويقسم الباحث هؤلاء الشعراء إلى تيارين: الأول عروبي والثاني إسلامي.
يقول عن الأول: " التيار العروبي المتميز بتلك المواقف الوطنية والقومية. وقد تتضمن المواقف الإنسانية كذلك التي وقفها بعض الشعراء من أمتهم العربية في المغرب وفي المشرق ن منطلقين في تلك المواقف جميعها من منطلق إيديولوجي محدد". وما يهمنا من تعريفه هذا هو الشق الثاني الذي يصنف فيه الشعراء الستة قائلا: " ولعل الشعراء عبد الرحمن بوعلي ومحمد منيب البوريمي ومحمد لقاح من أبرز الشعراء الذين يمثلون هذا التيار الآن".
وتكتمل الحسبة طبعا بانتماء الثلاثة الباقين إلى التيار الإسلامي، بدليل قوله: " وفرسان هذا التيار في المغرب الشرقي هم الشعراء: حسن الأمراني ومحمد بنعمارة ومحمد علي الرباوي ".
وما يهمنا من هذا التقسيم هو تصنيف الشاعر عبد الرحمن بوعلي ضمن تيار عروبي. وهو ما سيسميه محمد منيب البوريمي ومحمد علي الرباوي في دراستيهما المشار إليهما سلفا بالتيار الواقعي الاشتراكي.
على مستوى الرسائل الجامعية تكفي الإشارة إلى دراسة الأستاذ الشاعر محمد علي الرباوي عن شعراء المنطقة الشرقية التي شكل الشاعر عبد الرحمن بوعلي أحد أقطابها، إلى جانب ثلة من الشعراء.
على مستوى بحوث الإجازة يمكن الإشارة إلى البحوث التي تناولت شعر المنطقة الشرقية، وهي من المفترض - بل من الأكيد – أن تشير إلى شعر عبد الرحمن بوعلي. ويمكن التمثيل هنا بالبحوث التالية:

عنوان البحث
اسم الطالب
رقم البحث
الموسم الجامعي
حركة الشعر المغربي المعاصر بالإقليم الشرقي
حميدة بنقدور
786
1985- 1986
الهندسة المقطعية للمتن الشعري المعاصر بالمغرب الشرقي
يحيى الشيخ
1153

تشكيل البنية الصوتية في اللغة الشعرية شعر المنطقة الشرقية نموذجا
رحمة اشويحات
1699

تفاعل الشعر المغربي مع أزمة الخليج العربي المنطقة الشرقية نموذجا
الميلود كيساري
2473
1991-1992

أما البحوث الجامعية المتصلة اتصالا مباشرا بشعر بوعلي فيمكن التمثيل بما يلي:

عنوان البحث
اسم الطالب
رقم البحث
الموسم الجامعي
الرؤية المأساوية في الشعر المغربي المعاصر : بوعلي والقمري نموذجين
خالد قلة
1244

دراسة فنية وموضوعية لديوان وردة للزمن المستحيل
عبد العزيز المحجوبي
2545
1991-1992
القصيدة المغربية بين التراث والحداثة: ديوان المغرب الشرقي نموذجا
قاسو ليلى
4089
1997-1998
خامسا = الخطاب الاحتفالي:
وأقصد بها النقود والدراسات التي جاءت في سياق الاحتفاء بالشاعر، إثر توقيع إصدار جديد أو إثر نيل الشاعر إحدى الجوائز التقديرية. وقد ابتعدت عن تسمية هذا النوع من الخطاب بالنقد المناسباتي اعتبارا لجدية هذه المداخلات ومحاولة بلوغها الموضوعية رغم ظروف الاحتفاء التي تلزم الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يعكر صفو المحتفين.
ونذكر ضمن هذا النوع:
حفل توقيع قصيدة ( تحولات يوسف المغربي ) بتاريخ 13 مارس 2004 مندوبية وزارة الثقافة حيث شارك الأستاذان عبد القادر الغزالي وعبد الله شريق بمداخلتين، الأولى بعنوان:
- قراءة في تحولات يوسف المغربي – عبد القادر غزالي.
- والثانية بعنوان: شعرية القصيدة الدرامية: قراءة في قصيدة تحولات يوسف المغربي– وقد نشرت بملحق فكر وإبداع – 16 أبريل 2004.
ويدخل ضمن الخطاب الاحتفالي الأيام الدراسية التكريمية : ونستحضر هنا اليوم الدراسي الذي أقامه المركز الثقافي بجرادة بالتنسيق مع اتحاد كتاب المغرب فرع الناظور بتاريخ8 مايو 2004 تكريما للشاعر . وقد شارك فيه ثلة من الباحثين نذكر منهم:
- جميل حمداوي - شعر عبد الرحمن بوعلي: قراءة في العناوين.
- بوشعيب بنيونس - قراءة في شعر عبد الرحمن بوعلي.
- عبد القادر الغزالي - قراءة في تحولات يوسف المغربي.
والأسماء عينها هي التي تكرم اليوم الشاعر: 18 يونيو 2004 – بهذه الكلية العامرة-كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة.
بقي أن أشير إلى أن الإدلاء بشهادة في حق الشاعر تعتبر من دعائم الخطاب الاحتفالي، ولذلك فإن الملف الذي نشرته مجلة ضفاف في عددها الأخير، وهو يتضمن شهادات الشاعر محمد بنعمارة وعبد القادر الغزالي والشاعر نفسه، يضاف إليها الشهادات التي سيدلي بها بعض أصدقاء الشاعر في اليوم التكريمي تشكل وثيقة يمكن اعتبارها أهم وثائق الخطاب الاحتفالي.
مميزات هذه الخطابات:
بعد هذه الرحلة مع دارسي شعر عبد الرحمن بوعلي، نقف لنقول:
من خلال هذه الدراسات فالشاعر شاعر سبعيني (عبد الله راجع) ومن شعراء الطليعة في المغرب (عزيز الحسين).
وعن موقعه المحلي أو الجهوي فهو شاعر عروبي من منظور (عبد الرحمن حوطش) وشاعر ينتمي إلى التيار الواقعي الاشتراكي من منظور الأستاذين (محمد منيب البوريمي– محمد علي الرباوي).
أما خصائص شعره فتتميز حسب الدراسات المعلن عنها بقدرة الشاعر اللغوية على التكثيف والاختزال حسب رأي الطريسي.
مجموعات الشاعر نالت حظها من البحث والدراسة إما في شكل تقديم (الأناشيد والمراثي وتحولات يوسف المغربي) أو في بحث (وردة للزمن المستحيل) أوفي شكل مقال (أسفار داخل الوطن)، أو عبر قراءة عناوين المجموعات كلها (جميل حمداوي).
قصيدة تحولات يوسف المغربي نالت حظها الأوفر من الدراسة أكثر من أخواتها.
مجموعة الولد الدائري لم تنل حظها من الدرس والتحليل لسوء توزيعها وعدم وصولها إلى القراء. لذلك فالشاعر مدعو إلى إعادة طبعها.
أغلب دارسي شعر بوعلي من أبناء الجهة، ودارس بشعره بامتياز هو صديقه الباحث والشاعر عبد القادر الغزالي.
تغيب دراسة جامعة مانعة تشتغل بشعر عبد الرحمن بوعلي في كليته، كاشفة عن مظاهر تطوره، محددة عوالمه الذاتية والموضوعاتية، مبينة خصوصيتها الممكنة. هي دعوة صريحة لرد الاعتبار للشاعر.
[1] - قدمت هذه الورقة في اليوم الدراسي الذي أقامته كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة تكريما للشاعر عبد الرحمن بوعلي بمناسبة حصوله على جائزة البابطين للإبداع الشعري .

التراث السردي والقراءة العاشقة

التراث السردي والقراءة العاشقة
عبد الفتاح كيليطو نموذجا
[1]
عبد الرحمن بوعلي

مقدمة
يشكل البحث في التراث العربي وقراءته من المنظور الجديد إحدى المهام الأساسية التي يقوم بها النقاد العرب في سبيل بناء نظرية نقدية عربية. وهو (أي البحث في هذا التراث) إضافة إلى ذلك يعتبر من الخصائص التي تنفرد بها الفاعلية النقدية العربية. من هنا بات من الواضح أن يشتغل به عدد كبير من النقاد . غير أننا نلاحظ أن هناك تيارا من النقاد استطاع أن يبلور منظورا جديدا في دراسة هذا التراث، كما استطاع أن ينمي بحثه فيه بشكل جعله يؤسس مسارا جديرا في الدراسة والتأمل نظرا لغناه وقيمته المعرفية والنظرية والمنهجية . وجعله جديرا أيضا بالمساءلة والمناقشة نظرا لما يمكن أن يضيفه من إمكانات إغناء للنظرية النقدية وتوجهاتها في أدبنا العربي الحديث.
ويمكن ضمن هذا التوجه أن نتأمل تجربة الباحث عبد الفتاح كيليطو في قراءته للتراث الأدبي العربي والتراث السردي منه على وجه الخصوص، تلك التجربة التي تشكلت من مجموعة من الجهود العميقة والنبيهة ، مبلورة ما يمكن تسميته هنا بالقراءة النموذجية، أو القراءة المتفردة التي تنحو منحى متفردا في طرحها.
والواضح أن قضية العلاقة بين التراث وقراءته تكاد تكون قضية مركزية شغلت عبد الفتاح كيليطو، وما زالت تشغله بوصفه باحثا وناقدا. فقد تعاطى كيليطو لهذه الممارسة النقدية أكثر مما تعاطاها غيره من النقاد الآخرين، كما أفرد لها جزءا كبيرا من اهتماماته الأكاديمية، هذا عدا نشره لمجموعة من النصوص والكتب النقدية الهامة في هذا المجال، بدءا من "الأدب والغرابة" ، و " الكتابة والتناسخ" و"الغائب" والحكاية والتأويل والمقامات ولسان آدم ، والعين والإبرة ، ومتاهات القول ...، وكلها مؤلفات حملت معها هاجس الباحث نحو تأسيس لبنة في قراءة التراث، أضف إلى أنها شكلت منعطفا في تاريخ النقد العربي.
وتمتدّ الخيوط الرفيعة لهذا المنحى الذي نحاه كيليطو ، في هذه المؤلفات وغيرها ، حسب علمنا، إلى دراسته التي كان قد شارك بها في ملتقى القصة القصيرة بمكناس والمعنونة بـ "زعموا أن … "[2]. هذه الدراسة التي شكلت حينئذ طفرة نوعية في توجهات النقد العربي الحديث وفي مسار الناقد كيليطو نفسه، بحكم طليعيتها وأهمية محتواها المنهجي.
في هذه المداخلة سنحاول الوقوف عند أهم ما يؤسس هذا النوع من القراءة عند كيليطو ، مشيرين إلى ما تمثله من قيمة علمية ونقدية، بل وسلوكية ، علما بأننا سنقصر النظر على مؤلفين من مؤلفات كيليطو فقط، هما "الأدب والغرابة" و"الحكاية والتأويل".
عبد الكبير الخطيبي يقدم أثر عبد الفتاح كيليطو:
في البداية، يجدر بنا ونحن عند عتبة الدخول إلى عالم كيليطو العجيب والغني ، الرحب والمعقد، أن نصحب معنا ناقدا فذا آخر، يبدو أنه فهم المشروع النقدي والعلمي لعبد الفتاح كيليطو قبل أن يصدر كتابه "الأدب والغرابة"، وهو الناقد عبد الكبير الخطيبي الذي تكفل بتقديم كتاب كيليطو هذا المومأ إليه. والحق أن عبد الكبير الخطيبي بحكم اطلاعه على المناهج الطليعية في الغرب، وبحكم تمرسه الشديد على محاورتها ومحاولة نقلها من مجالها إلى مجال النقد العربي، وعلى الأقل في تجربته النقدية عن "الرواية المغاربية"، نجح في فهم خطاب كيليطو النقدي وفي موضعته في سياقه الحقيقي، وهو سياق النقد التجديدي والطليعي في المغرب.
إن أهم ما ألمح إليه الخطيبي هو أن خطاب كيليطو ليس خطابا تقليديا بالمعنى القدحي للكلمة، وليس خطابا استهلاكيا وسطحيا، وليس خطابا بلا هدف، إنما هو خطاب عارف بمجاله ومستوعب لإوالياته وميكانزماته لدرجة أنه وصفه بالخطاب [الأستاذي]. يقول الخطيبي: "ظاهريا، نحن أمام خطاب أستاذي متوفر على جهاز من المراجع والمصادر والمناقشات اللامنتهية بين أساتذة جديين جد متحذلقين في غالب الأحيان مما يجعلهم ينصتون إلى أنفسهم وهم يتكلمون بدون أن يقطبوا حواجبهم وكأنما العالم مسرح لندوة "[3] . وكما أن هذا الخطاب واع تمام الوعي بمشروعه، فإن كيلطو هو الآخر واع بما يتطلبه مثل هذا الخطاب. إن كيليطو كما يقول عبد الكبير الخطيبي " يعرف كل موضوعة من هذه الموضوعات [ يقصد موضوعات: الأدب، النوع، النص، تاريخ الأدب، السرد ..] بانتباه محترز، وبطريقة تدريجية. إلا أنه انتباه مصحوب بنوع من المكر النادر في مجال النقد الأدبي. فلكي يوجد هذا الأخير، يتحتم عليه أن يكون "نقديا"، أي أن يتمثل نظريات ومناهج التحليل، ومن جهة ثانية، يتحتم عليه أن يكون "أدبيا" وذلك باستبطان الأشكال الإستطيقية لتحليله حتى يتمكن ليس فقط، من الحديث عنها بدقة، بل من أن يصبح فنا للكتابة الخصوصية، وفنا متناصا، أي كتابة نقدية بالمعنى العميق" [4] . من هذا التوصيف المذكور للخطيبي، تبرز ناحيتان في عمل كيليطو: كون خطابه يتضمن الصفة [الأدبية] من جهة، وكونه يتضمن الصفة [النقدية] من جهة ثانية.
ومما ورد من كلام الخطيبي أيضا، نستطيع أن ندعي وجود هذا التفسير المتضمن لفكرتين أساسيتين مهيمنتين، الأولى تتعلق بالتكوين الخاص بالباحث كيليطو، وهو التكوين الأكاديمي العميق الذي أحرز عليه من خلال احتكاكه بالنقد الأوروبي بجميع اتجاهاته، خاصة ذلك النقد الذي اعتمد كأساس على النجاح الذي حققته البنيوية فلسفة ومنهجا وطرائق. ما يمكن أن يقال عن كيليطو في هذا الصدد أنه استوعب جوهر البنيوية من حيث هي طريقة في رؤية العمل الأدبي كعمل له بنياته وتجلياته وإوالياته الخاصة، كما أنه وظف هذا المنهج توظيفا جيدا ليطرح بديلا نقديا لا يقتصر على قراءة النص الأدبي الحديث المتصف بخصوصياته ، بل ويتجاوز ذلك النص إلى النص التراثي المتصف هو الآخر بخصوصياته. أما الفكرة الأساسية الثانية التي يحيل عليها كلام الخطيبي، فهي أن كيليطو وهو يسير في هذا المنحى الجديد استطاع أن يدشن مرحلة نقدية جديدة تتصف بكونها لا تكتفي بالقراءة المجردة التي تهدف إلى فهم الإنتاج الأدبي فحسب، وإنما تحاول جاهدة وبدرجة كبيرة من الوعي والدقة إلى تأسيس نوع بديل من الكتابة النقدية المؤسسة على ركائز علمية والمؤطرة داخل أطر معرفية والمتجهة إلى هدف بناء النص وفق شروطه المكونة له.
ليست الكتابة، والكتابة النقدية بالخصوص، عند عبد الفتاح كيليطو إذن بالأمر الهين أو السهل، ولذلك، فإن التعامل معها يتطلب بذل مجهود يكفي إذا جاز لنا التعبير لاستنطاق ما تخفيه شجرة النص النقدي عند كيلطو. وإذا كنا لا ندعي في هذه المداخلة المحكومة بزمنها تقديم قراءة شاملة لعمل كيليطو، ولن ندعي ذلك، فإننا نحاول أن نضيء بعض العتمات، ولتكن هذه الإضاءة محاولة أولية أو عتبة أولى بهدف تحقيق أمل منشود هو تحقيق قراءة في التجربة النقدية لعبد الفتاح كيليطو، ولتكن بدايتنا مركزة على توضيح بعض المفاهيم التي استعملها كيليطو من قبيل الغرابة أو السرد.
ولنبدأ بسؤالنا التالي:
ما معنى الغرابة عند عبد الفتاح كيليطو؟
كلنا يستحضر عنوان كتاب الأدب والغرابة الذي تمت الإشارة إليه آنفا، والذي أصدره كيليطو في سنة 1982 والذي اعتبر حين صدوره بحق المفتتح الرسمي لكتابة كيليطو التغييرية التي صبت في اتجاه تطوير الفاعلية النقدية . وإذا كانت عناوين الكتب تشكل عتبة أساسية في قراءة الأعمال ، فإن ورود كلمة الغرابة المليئة بالدلالة في عنوان كتاب كيليطو ليس مجرد صدفة . لقد وردت هذه الكلمة عدة مرات في مؤلفات كيليطو النقدية زيادة على ورودها كما أسلفنا في عنوان كتابه. وقد وردت في بداية افتتاحيته للكتاب عندما حاول كيليطو أن يفسر العلاقة بين قسمي الكتاب الأول والثاني، حين يقول: " كل دراسة مستقلة بذاتها وليست بحاجة إلى أن تستند إلى جاراتها. ومع ذلك يبدو لي أن مفهوم الغرابة يجمع هذا الشتات"[5]. كما وردت كذلك أكثر وضوحا في نهاية الافتتاحية حين يقول: " الشعور بالغرابة يتأكد عندما يتعلق الأمر بمؤلفات قديمة تحدها عتبة زمنية ليس من الهين اجتيازها. ما أكثر القراء الذين لا يبصرون العتبة فيتجولون في الماضي كما يتجولون في الحاضر، وما أكثر القراء الذين يقفون عند العتبة ولا يجرؤون (أو لا يبالون) باجتيازها، وما أكثر القراء الذين يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى ! على أي حال كلنا يعلم أن تحديد المستقبل مرهون بتحديد الماضي وتحديد الماضي مرهون بتحديد الغرابة "[6]. وقد وردت كلمة الغرابة كذلك في خاتمة دراسته الموسومة بـ "نحن والسندباد" التي تضمنها كتابه "الأدب والغرابة"، حين قال: " واليوم من ينكر أن السندباد ما يزال يخاطبنا عبر القرون وبسألنا عن علاقتنا بالعالم المألوف والعالم الغريب (الغربي)؟ لقد كثر حفدته على الخصوص منذ عصر النهضة (انظر على سبيل المثال الساق على الساق لأحمد فارس الشدياق وحديث عيسى بن هشام للمويلحي) وليس في الأفق ما ينبئ بأن عهد "السنادبة" قد انتهى. بصفة أو بأخرى كلنا اليوم، في العالم العربي، سندباد"[7] .
في نص آخر، وهو نص مأخوذ من كتاب الحكاية والتأويل جاء في نهاية دراسة " الجرجاني والقصة الأصلية"، تصادفنا لفظة الغرابة حين يقول كيليطو: " لا تعني الغرابة الشيء الذي لم تره العيون ولم تسمعه الآذان، إنها على العكس متعلقة بشيء معروف ومألوف، إلا أنه منسي ومدفون في أعماق النفس… في نهاية الأمر لا مفر من الإقرار بأن الغرابة، عند الجرجاني، ليست إلا الألفة نفسها" [8] .
ما الذي تعنيه لفظة الغرابة عند كيليطو؟ ما الذي يمكن أن نفهمه من لفظة الغرابة الواردة في سياق الأقوال السالفة لكيليطو ؟ قد نخطئ إن نحن فسرنا هذه اللفظة بمعناها الحرفي، أي معناها القريب الذي يتبادر إلى الأذهان في اللحظة الأولى التي نسمع بها هذه اللفظة. ذلك لأن لفظة الغرابة التي يستعملها كيليطو في اعتقادنا هنا، تشكل مرتكزا أساسيا لفهم الموقف النقدي لكيليطو، ولفهم كتاباته المتعلقة بالتراث، والتراث السردي على الخصوص. وهي لفظة متواترة ومرتبطة بالرؤية النقدية لكيليطو. وفي هذا الصدد، فإنه من الضروري التأكيد أن ورود هذه اللفظة له ما يبرره، سواء على المستوى الموضوعي / أي على مستوى موضوع التراث ككل، أو على المستوى الشخصي لكيليطو. فالتراث العربي في نظر كيليطو، بسبب اغترابه عنا قد لبس لبوس الغرابة بحكم بعده التاريخي عن الناس، وبحكم عدم الانتباه والالتفات إليه، ومما ضاعف غربة التراث هذه [أو غرابته] تضمنه لخصوصيته التي لا تأتيه فقط من مضمونه وأشكاله كما يرى النقد التقليدي، وإنما من خصوصية مخاطبه، وبالتالي من خصوصية نسقه كذلك كما سنوضح ذلك في النقطة التي ستلي. أما على المستوى الشخصي، فإن كيليطو يرى أن هذا التراث يجب أن يقرأ من زاوية أخرى تختلف عن الزاوية التي قرأ من خلالها النقاد الكلاسيكيون هذا التراث ، وهي الزاوية التي تنطلق من كونه تراثا، أي بعد وضع المسافة الضرورية لفهمه، وانطلاقا من رؤية نقدية معاصرة توظف فيها كل المناهج الحديثة والجديدة . ولعل هذا ما حاول كيليطو في الأدب والغرابة وفي مؤلفاته الأخرى توضيحه بكثير من الدقة وبقدر أكبر من الأسلوب "الفاعل" كما أشار إلى ذلك الخطيبي[9].
من الطبيعي جدا، ونحن نحاول الحديث عن المنهج النقدي عند عبد الفتاح كيليطو، أو بالأحرى نوع القراءة التي تعامل بها مع التراث، أن نطرح السؤال التالي: كيف تمظهرت قراءة النص الكلاسيكي؟
الأدب الكلاسيكي والقراءة:
نستطيع أن ندعي أن المشروع النقدي الذي دشنه كيليطو كان مشروعا يهدف إلى تجديد القراءة التراثية، أي إلى إعادة طرح السؤال حول التراث، بأدوات العصر المتاحة إليه. ومن هنا فقد طرح كيليطو موضوعة قراءة النص الكلاسيكي .ومما يدعم ذلك تخصيصه لدراسات طرح فيها رؤيته الخاصة في هذا المجال. ومن الدراسات التي ضمها كتابه الأدب والغرابة والتي حفلت بهذا الموضوع دراسته المعنونة بـ"دراسة الأدب الكلاسيكي/ ملاحظات منهجية ". يقول كيليطو: "الطريقة التي نتناول بها النصوص القديمة ترتكز على نمط وعلى تعريفات تختلف درجة وضوحها بحسب الباحثين. وعندما يتعلق الأمر بنصوص أدبية، فإن الباحث يعتمد طيلة عمله، سواء شاء ذلك أم كره، على تعريف للأدب وعلى مفاهيم تغيب أحيانا عن وعيه" [1]. ويقول في نفس الدراسة أيضا بعد أن يوضح بعض المفاهيم السائدة اليوم في الدراسات الأدبية العربية [10]، وبعد أن يبين خطأها : " المتكلم يوجه خطابا إلى مخاطب، وهذا الأخير يفهم الخطاب لأنه يشترك مع المتكلم في امتلاك النسق. وإذا انعدم هذا الاشتراك، فإن عملية التواصل تفشل لا محالة. وهذا ما يحدث بالطبع عندما يجهل المخاطب اللغة التي يستعملها المتكلم"[11] . ثم يضيف لتعريف المخاطب : " من هو مخاطب المؤلف الكلاسيكي؟ الجواب بسيط: المؤلف الكلاسيكي يخاطب معاصريه. ومع ذلك فإننا في بحوثنا كثيرا ما نهمل دراسة المخاطب و لا ننتبه إلا للعلاقة بين المتكلم والخطاب. ذلك أننا نفترض أن المتكلم موجود في الخطاب ونفترض أن المخاطب لا يوجد إلا خارج الخطاب. لكن يكفي أن نحلل بدقة خطابا ما ليتبين لنا أنه يرسم صورة واضحة للمخاطب"[12]. ويضيف كيليطو في نفس السياق: " يترتب عن إهمال المخاطب إهمال النسق" [13]. وارتباطا مع أهمية معرفة النسق لحظة القراءة، أو عدم تحققها لحظة القراءة، وعن أهمية البحث عنه والإمساك به، أو بنائه وتركيبه من خلال النص الكلاسيكي، يقول كيليطو: " يحدث سوء التفاهم عندما نعتمد على نسق حديث أثناء حكمنا على نصوص قديمة ترتكز على نسق مخالف. وهذا يؤدي إلى أحكام لا نقول إنها خاطئة، ولكن في غير محلها. لا ينبغي أن نتوهم أن النسق الكلاسيكي ماثل أمامنا بوضوح بحيث يكفي أن نمد يدنا لاقتناصه. لا بد من تركيبه وتنظيمه من جديد، وهذا يتطلب منا ألا ننسى المسافة التي تفصلنا عنه"[14]. وتوضيحا للعلاقة بين النص والنسق والمخاطب التي هي علاقة قلما انتبه إليه نقاد التراث والأدب على وجه العموم في قراءاتهم، يقول كيليطو: " النص الأدبي لا يعرف الاستقرار والجمود، ذلك أنه يخضع لمنطق خاص هو منطق السؤال والجواب. النص يجيب على سؤال يضعه المخاطب، وبتعدد المخاطبين والأزمنة تتعدد الأسئلة والأجوبة.. وبالمقابل فإن النص بدوره يطرح أسئلة وعلى المتلقي هذه المرة أن يجيب. يظهر هذا عندما يتعارض النص مع التصورات المألوفة لدى المخاطبين. وقد يؤدي الأمر إلى إبراز تصورات جديدة"[15] . ويضيف قائلا : " منطق السؤال يفرض علينا أن لا نغفل "علاقة التوتر"[التي تحدث عنها كادامير في الحقيقة والمنهج] الموجودة بيننا وبين النص الكلاسيكي. مؤلفات الماضي لا تقترب منا إلا إذا بدأنا بإبعادها عنا" [16].
هذه إذن هي باختصار شديد رؤية كيليطو لمشكلات التعامل مع النص الكلاسيكي، وهي رؤية جديدة يضيفها كيليطو إلى مجهودات النقاد الآخرين، ويحاول بها أن ينقض ركائز الرؤية التقليدية التي تعاملت مع التراث لفترة طويلة من الزمن. ومما يجب الإشارة إليه أن مثل هذه الرؤية تكاد تكون قلبا للمرتكزات المنهجية ، كما أنها تعيد النظر في مجمل المفاهيم التي درج على استعمالها المنهج التقليدي الفقير من ناحية إلى الخلفية النظرية الصلبة ومن ناحية أخرى إلى الطريقة الناجعة في التعامل مع النص التراثي، الأدبي والسردي والفكري.


هوامش
[1] نص المداخلة التي قدمت في ندوة التراث وسؤال القراءة التي نظمها فرع وجدة لاتحاد كتاب المغرب.
[2] انظر الحكاية والتأويل، ص33.
[3] الأدب والغرابة، ص 6.
[4] الأدب والغرابة ، ص 6
[5] الأدب والغرابة، ص 9.
[6] نفسه، ص10.
[7] الأدب والغرابة، ص 107.
[8] الحكاية والتأويل، ص 20.
[9] نفسه،ص 7.
[10] منها: مفهوم الفرد المبدع، مفهوم التعبير، مفهوم تلاحم أجزاء النص.
[11] الأدب والغرابة، ص42-43.
[12] نفسه، ص 43.
[13] نفسه، ص 43.
[14] نفسه، ص 43.
[15] نفسه، ص 44.
[16] نفسه، ص 44